دعوني أصرخ، دعوني أبكي، ما لكم وشأني، سأمزق الصمت بأعماقي، سأغتال الحب بشراييني؛ لأنه رداء قديم قسا عليه الزمن، بعض ملابسي أصبحت تضايقني، تخنقني، دون القدرة في الشروع بخلعها، لأن خلعها يمثل خروجاً على دستور القبيلة وتحدياً صارخاً لأمي وأبي، وأنا لا أستطيع الخروج على عرف القبيلة، ولا على التحدي، زوجي يمسك بالعقال ويضربني، تتدخل ابنتي يلقي بها هي الأخرى فوق جسدي، يضربنا نحن الاثنتين ضرباً مبرحاً، ثم يتركنا وينصرف إلى حال سبيله وكأن شيئاً لم يحدث، أنهض بتثاقل أواسي ابنتي ذات العشر سنوات لأخفف عنها جسامة الموقف، ولا أعد العدة لمقاضاة هذا الكائن المفرط في ذكوريته وعنجهيته.

رغم كل التضحيات التي قدمتها له كزوج وكشريك عمر، يوم أن كانت سيارته حذاء قديماً، وثروته أسمالاً بالية، كنت أقاسمه شظف العيش قبل أن تتضخم أمواله، وفعلاً شرعت في مراجعة الدوائر لمقاضاته، لكن وبعد أن علم بالأمر حجر علي كل شيء، وسحب مني كل شيء حتى ورقة الطلاق، توسلت إليه أن يعطيني إياها ورفض بإصرار، عندها تراجعت أدراجي واجتاحني شيء من اليأس والانكسار فلا سبيل أمامي، فكلما راجعت جهة طلبوا مني موافقة زوجي أو إبراز ما يثبت أني مطلقة، حتى العمل حاولت بشتى الطرق أن أبحث عن عمل يوفر لي لقمة عيش كريمة، دون جدوى لأنني لا أملك شيئاً من الأوراق المطلوبة للعمل.

وأمام حالات الرفض هذه بدأت أتصالح مع حالة الانكسار هذه، كنت أقف كل يوم عند أبواب الجمعيات الخيرية لأحصل على شيء مما يسد حاجتي، كنت أتعب نفسياً وجسدياً من المراجعة والوقوف أمام أبواب تلك الجمعيات.

هذه قصة مزنة وهذا هذيانها، لقد أوشكت مزنة أن تمضي حياتها وتقبل بهذه النهايات البائسة، لكن وفجأة تهب رياح الرؤية فتقتلع معها كل المحسوبيات، وكل البيروقراطيات، وكل الثقافات المعتلة لتحررها من تعسف الآخر، صفقت مزنة للرؤية وصافحتها وحيتها وركبت موجتها، هي والكثير من سيدات المجتمع ممن يعانين معاناتها، مزنة الآن تقبع وراء أحد الكاونترات لسوق عملاق تعمل «كاشيرة» بقدرات تفوق في بعض الأحيان قدرات الرجل، مزنة تعمل «كاشيرة» تدقق بالأرقام طويلاً خشية أي خطأ عابر، ولا تسمح أن يتكدس أمام منصتها أي زحمة، كانت تعمل بكل جد واجتهاد، بالإضافة إلى أنها على وشك التخرج من مدرسة تعليم قيادة السيارات لأن أياماً قصيرة تفصلها عن مزاولتها لقيادة السيارة كحقيقة، بعد أن كانت حلماً، مزنة تدين للرؤية بالجميل والعرفان نظراً لما أحدثته من تغيير شامل في طول البلاد وعرضها، مزنة الآن في أحسن حالاتها النفسية والعملية والاجتماعية بعد أن تجاوزت ظروفها، وكأن لسان حالها يقول: «ما لحد منّة».