بدأت الأوقاف الجامعية في المملكة تأخذ طريقها نحو التأسيس البعيد عن ضيق أفق التبرعات، ففي زاوية التبرعات يعود الفضل للمتبرع وليس للجامعة التي تستطيع تقديم رؤية جاذبة للمشاركة في وقف استثماري مستمر. وفي الاجتماع التنسيقي الخامس لأمناء ومسؤولي الأوقاف بالجامعات السعودية الأخير، والذي عقد مطلع هذا الشهر كان محور شؤون أوقاف الجامعات وسبل دعمها وتطويرها أحد أبرز محاور اللقاء.

وهنا نقف مع جامعاتنا السعودية في تعزيز برنامج الأوقاف العلمية، ولعل الوقفة تكون في تغيير بعض المفاهيم المجتمعية الحالية عن طبيعة الوقف من بناء مسجد أو حفر بئر في دولة نائية، فالوقف العلمي كان من أبرز أنواع الوقف في ثقافتنا السعودية حتى في أيام الفقر والشح المادي. وأذكر أن المؤرخ عبدالرحمن بن رويشد - رحمه الله - قد أطلعني على وثيقة لوقف بعض الكتب القيمة في المساجد، والكتاب آنذاك عزيز المنال.

ولو اطلعنا على تقارير الوقف في الجامعات الأميركية من زاوية «الحكمة ضالة المؤمن» سنجد أن وقف بعض تلك الجامعات قد ازداد أكثر من 26 بليون دولار في العام 2017م فقط، وقابل للزيادة في هذا العام. وبقراءة حجم الأوقاف لأبرز 25 جامعة أميركية نجد هارفارد في رأس القائمة بـ 36 بليون دولار، وفي ذيل المجموعة جامعة نيويورك بأربعة بلايين دولار.

ما يهمنا أن توجهات تلك الجامعات تعتمد على ما تسميه الاستراتيجيات المتطورة لاستثمار أموال الوقف والتعامل مع القوانين الضريبية حتى على المؤسسات غير الربحية طالما أنها دخلت في مجال استثماري. ومن بين تلك الاستراتيجيات الاستثمار في الأسهم الخاصة، وصناديق التحوط، وتهيئة رأس المال الاستثماري، وفوق هذا المراجعة الدقيقة للتقارير الميدانية عن الاستثمارات الفاشلة والتعلم من دروسها. ولعل جامعاتنا في عملها أن تؤسس لرأس مال استثماري في قطاع الطاقة المتجددة وقطاع الاقتصاد المعرفي، فهي من المجالات القريبة من البيئة الجامعية، وتستطيع الاستثمار في رأس المال البشري التطوعي من منتسبي الجامعات.

متفائل جداً بهذا القطاع القادم والذي سيعزز مكانة الجامعات السعودية، وسيغير بعض قناعتنا القديمة، وتوجهيها نحو الأوقاف العلمية للجامعات. ولعل من واجب الجامعات أن تفتح باب المنافسة للمشروعات الإبداعية في مجال الأوقاف بين منتسبيها، عندها فقط سنقف احتراماً للعقول المبدعة، فلا نبحث عن حكم الاستثمار لدى الغير.