إن كُنت ذا فكر وحولك من يُقصيك ويُعرقل مسيرتك في الإصلاح، تعامل معه كما لو كُنت في ساحة حرب، وساحة الحرب تتطلب منك أن تصنع جيشاً ثم تبني السرعة والحركة بطريقة محبوكة في داخله؛ حتى تمتلك السلطة العُليا..

تميّز البشر من بين سائر مخلوقات الله بالعقل والقُدرة على التفكير والابتكار، كما أن العقول أنواع؛ منها ما يعمل ومنها ما هو مُعطّل، وقد يمتلك البعض أفكاراً ذات بُعد استراتيجي مهم وبالغ الأثر، لكن الظروف قد لا تكون مُهيّأة في غالب الأحيان لمثل هؤلاء النوع من البشر، خاصةً إن كانوا يقطنون على جغرافية دول العالم الثالث، حتى وإن قاتلوا؛ ليذللوا الظروف وفق ما يشتهون، سيلقون في طريقهم أُناساً غير مؤمنين بأفكارهم. إذ يعيش هؤلاء الناس طوال حياتهم في بيئة تقليدية، فلو نقيسها على بيئة العمل، قد يخشى الكثير منهم الخوض في التغيير والتطوير في مؤسساتهم لأسباب عديدة لعل أهمها؛ الخوف من فقدان مكانتهم الوظيفية مثلاً أو بعض المزايا. لذا من يحمل لواء التغيير والتطوير غالباً ما يشقى خاصةً إن كان يحمل فكراً جبّاراً لا تعيه العقول من حوله، والتاريخ علّمنا قصصاً وفسّرها وفق تفسيرات منطقية وعقلانية عن أسباب نجاح بعض القادة المفكّرين بكافة شؤون الحياة، لذا تجد منهم من ظروفه ساعدته ومنهم من قهر الظروف وهيأها لصالحه بذكاء.

فإن كُنت ذا فكر وحولك من يُقصيك ويُعرقل مسيرتك في الإصلاح، تعامل معه كما لو كُنت في ساحة حرب، وساحة الحرب تتطلب منك أن تصنع جيشاً ثم تبني السرعة والحركة بطريقة محبوكة في داخله؛ حتى تمتلك السُلطة العُليا. لكن احذر أن تُشعر جيشك بأنك سلطوي أو مرن أو أنك توجههم بصيغة الأمر المباشر، بل عليك أن تخلق قيادة لا يشعر الناس بمن فيهم جيشك انهم مقيّدون بسلطتك لكنهم يتبعونك دون شعور منهم!

وقد شجّع المفكر الاستراتيجي غرين على هذه السياسة، وذكرها في أحد مؤلفاته واستشهد بها بقصة الجنرال مارشال وقال: في نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي أوصى الجنرال الأميركي العميد جورج مارشال 1880-1958م القيادة العُليا بالحاجة إلى إصلاح عسكري واسع، فعدد الجيش قليل وتدريبهم سيئ والعقيدة القتالية الراهنة لا تتماشى مع التكنولوجيا الحديثة والضباط الكبار بدلاً من التقاعد احتلوا وظائف في الوزارة وقاموا بتجميع ضباط وأفراد صغار ومدنيين حولهم؛ لتحقيق بعض المكاسب الذاتية والمادية. وهكذا كل ضابط كبير حوله حاشيته من مُهرجين ولصوص وتطول القائمة، وقد وصل الحال إلى التنافس بينهم على من يكون لصاً أكثر، فأُهدرت الأموال، والاتصالات أصبحت شبه معطلة والفساد طغى ولاح في الأفق.

وما كان على الجنرال مارشال إلا أن يرفع توصيته التي تضمنت وجوب «إصلاح عسكري في وزارة الدفاع» لمن يمتلك حق تقرير المصير.

وفي عام 1939م قبل الحرب العالمية الثانية بقليل تم اختيار مارشال قائداً جديداً للقوات المسلحة وهو برتبة «عميد» ووجد نفسه أمام حرب عالمية ثانية مُقبلة وكان وضع الوزارة يُرثى له، وعندما جلس على كُرسي القيادة وجد المئات من التقارير التي لم يتم إنجازها، وفواتير تصل إلى السقف غير مدفوعة، ووجد نفسه أمام ثلاث فئات من الضباط يجب أن يتخلص منهم وهم؛ فئة العنيدون بغباء، واللصوص بدهاء، وذوو الطاقة السلبية غير المؤمنين بالتغيير والتطوير في الوزارة.

وجد مارشال نفسه أمام مُجابهة حربين؛ الأولى حرب داخلية في الوزارة، والثانية خارجية تتمثل في الحرب العالمية الثانية!

ومن هنا بدأ مارشال في وضع الخطط الاستراتيجية، لتصفية القيادات من الضباط الكبار الذين كانوا يشكّلون عبئاً على الوزارة، وحشد تأييد الكونغرس لزيادة حجم القوات وتسليح الجيش وتطويره بالمعدات اللازمة، وفي أعقاب قصف اليابان لميناء بيرل هاربور وإعلان الولايات المتحدة دخولها الحرب العالمية الثانية باشر مارشال تنفيذ خططه حيث تمكن من زيادة قوة الجيش إلى 8 ملايين جندي وأعاد تنظيم هيئة أركان الجيش وقسمه إلى ثلاث قيادات رئيسية هي: القوات الجوية والقوات البرية وخدمات الجيش واستخدم السجل الذي يحتوى على أسماء الضباط الصغار الطموحين، الذين أُعجب بأدائهم المهني لملء المناصب الرئيسية في كل قطاعات الجيش.

وبالفعل تمكن مارشال من التخلص من كل الجنرالات المذكورين أعلاه، دون إحداث أي ضجيج أو مجابهة مباشرة معهم، وكان مفتاح نجاحه هو اختياره للضباط الصغار ممن تدربوا على يده، وقام باستنساخ شخصيته وأفكاره في أدمغتهم، وهكذا تمكن من بث إصلاحاته في الوزارة وبين صفوف القوات المسلحة. وقد كان ذكياً في هذه الخطوة إذ من المستحيل أن تُصدِّر أفكارك وتحققها دون أن تجعل لك نسخاً في صفوف الجيش أو موظفيك، لأن نصف تحقيق الأفكار يعتمد على مدى إيمان فريقك بك، وقد كسب مارشال ثقة ضباطه من حوله وبالتالي قاموا بتصدير رؤيته وحث الآخرين على الإيمان بها.

وبناءً على ما جاء أعلاه نستطيع أن نستنتج أن الجنرال مارشال لم يُفكِّر بطريقة جماعية، إذ إن التفكير الجماعي فخّ كبير ويسحبك إلى الخلف، وتضيع أفكارك واستراتيجياتك في الهواء الطلق بين مؤيد ومعارض، ممن هم ليسوا بأنداد لفكرك ودهائك، الحل إذن أن تجعل فئة تؤمن بأفكارك دون أن تلجأ للسلطة، داعب خيالاتهم، واعزف على طموحاتهم وأشعرهم دائماً بأنك تعمل من أجلهم. إنها استراتيجية القيادة والسيطرة عن بُعد لا تتحقق فقط في التمارين العسكرية إنما حتى على البشر، وتذكّر أن القادة ينجحون بما يؤسسون من قاعدة يقفون عليها، فاجعل هذه القاعدة أُناساً ذوي أصوات عالية حتى يعمل كل منهم على إيصال صوت رؤيتك بطريقتهم الخاصة، هذا شطر واحد من الحروب المُنظمة التي يجب أن تقودها لتحقيق أفكارك، ومتى ما أتقنتها ستُتقن الحروب غير المنظمة بكل دهاء ومكر!