كان المستكشف السويسري بيركهارت قد قدّم وصفاً للمسعى بين الصفا والمروة عند قدومه إلى مكة المكرمة في العام 1814م، والذي كان لايزال حسب تقديره شارعاً منبسطاً يبلغ طوله نحو 600 قدم (الصحيح بين 394 - 405 أمتار) وكان لايزال هناك من يسميه "وادي الصفا" وهو يقود من الصفا إلى المروة التي تقع على طرفه الآخر، حيث وضعت منصة حجرية ترتفع حوالي ثمانية أقدام عن مستوى الشارع مع عدة درجات عريضة تؤدي إليها، وكان الميلين الأخضرين محددين بأربعة أحجار أو أعمدة بنيت في جدران المنازل على الجانبين، اثنان منهما لُونا باللون الأخضر، وتحمل نقوشاً لم يتمكن من الوصول إليها لعلوها الشاهق، ولاحظ أن الحلاقين عند المروة يتلون أدعية حفظوها ويرددونها مع زبائنهم من الحجاج والمعتمرين بعد حلاقتهم.

بدأ بعدها تقديم وصفاً للمسعى الذي كان يعد من أرقى شوارع مكة المكرمة، وأكثرها أهمية وحركة للبيع والشراء، ووجود المقاهي والمطاعم التي فتحت على المسعى من الاتجاهين، وفي مواجهة السعاة الذين يختلطون مع رواد هذا السوق العامر كما وصف ذلك تفصيلاً في الحلقة الماضية والتي نستكملها من خلال حلقة اليوم إذ يذكر أنه عند طرف "سويقة" وهو الشارع التجاري المتفرع من شارع المسعى، يغطي الشارع سقف حجري مرتفع ومقنطر، وقد دعم من كل جانب بعدة مبان ضخمة تستعمل كمخازن للتجار الأغنياء، بناها محمد باشا دمشق الذي عاش منذ عدة قرون مضت وهي حالياً تابعة للمسجد. وبما أن هذه البقعة هي الأبرد في مكة خلال فترة الظهيرة فهي بالتالي أكثر الأماكن ارتياداً حيث يأخذ الحجاج النبلاء كلهم هنا استراحتهم الصباحية والمسائية ويدخنون غلايينهم. وتعرف الكاتب بيركهارت على أحد بائعي العطورات، وكان يومياً يمضي ساعة عنده في الصباح وأخرى بعد الظهر جالساً على المقعد أمام متجره يدخن النرجيلة ويحتسي القهوة معه. وهنا يتلقى أخبار الحجاج وأخبار الدعاوي القضائية التي رفعت لقاضي المحكمة في مكة، والأخبار الجديدة عن جيش محمد علي. وما الصفقات التجارية الكبرى التي تمت والكثير من أحداث المنطقة. وكانت أحياناً تتم مناقشة بعض الأخبار الأوروبية إذ إن الحجاج القادمين من القسطنطينية واليونان كانوا يأتون بالأخبار من أوروبا بشكل متواصل فكان بيركهارت يمضي الفترة الباكرة من صباح كل يوم والجزء الأخير من المساء متجولاً في مكة، وارتياد المقاهي عند أطرافها، ويلتقي البدو الذين سرعان ما يدفعهم بعد أن يقدم لهم القهوة للحديث عن البلاد والغزوات والمعيشة وعن أخبار الأمطار والربيع وتحركات القبائل ويتعمق معهم في معرفة المزيد من العادات والتقاليد.

عند الطرف الشرقي من "سويقة" يتغير حسب قوله اسم الشارع ليصبح "الشامية" وهو اسم يطلق على عدة شوارع فرعية في كلا الجانبين وتنظم الشامية عند نهايتها إلى الشبيكية وباب العمر وهي ضمن الأحياء في مكة متقنة البناء ويسكنها التجار الأغنياء والعلماء المرتبطين بالمسجد بشكل أساس.

وشاهد هناك عدداً محدوداً من المتاجر في الشارع الرئيس باستثناء فترة الحج. حيث يفتح المزيد منها فيعرض فيها السوريون منتجات بلادهم وصناعاتها. ومن هنا أخذ المكان "الشامية" اسمه نسبة للشوام، توجد كذلك في المتاجر والبسطات الحرائر من دمشق وحلب والقماش القطني المصنوع في نابلس وخيط الذهب والفضة من حلب والمناديل البدوية المسماة كفية أو كوفية والمصنوعة في بغداد ودمشق والحرير اللبناني والسجاد الفاخر من الأناضول ومن صناعة بدو التركمان والعباءات من حماة، والفاكهة المجففة وقمر الدين من دمشق والفستق الحلبي. والتقى هناك بنجل زعيم تدمر الذي أتى مع مئتي إلى ثلاث مئة جمل تنقل أمتعة باشا دمشق.

كانت الشامية باتجاه سويقه كما يقول وعلى الجهة الشمالية حياً يسمى "قرارة" وهو من الأحياء الأشهر والأرقى في مكة وربما الأتقن بناء، حيث اتخذ فيه أغنى التجار منازلهم ويعيش فيه أكبر تاجرين في الحجاز هما جيلاني، وسقاط في أغلب أوقات السنة ويذهبان فقط إلى جدة حيث لديهما أيضاً مؤسسات حين يتطلب وصول القافلة الهندية حضورهما في ذلك المكان. ويذكر أيضاً أن قرارة تعد مسكناً اختاره محمد علي باشا لإقامة نسائه مع حاشية من المخصيين المرتبطين بخدمتهن. والمنازل هنا كلها ذات طابقين أو ثلاثة طوابق وقد طلي العديد منها بلون مزخرف وتحتوي على شقق فسيحة. وقد بنى الشريف غالب هنا قصراً يعد من أفضل القصور التي يمتلكها في مكة يسكن فيه أشهر الشتاء ويقسم وقته بينه وبين ذلك القصر القريب أكثر من الحرم، وقد اتخذ بعض الرؤساء العسكريين من هذا القصر مركزاً لهم وهو لا يتميز عن المنازل الأخرى في مكة إلا بحجمه، وبعدد النوافذ فيه وليس له أي رواق معمد، كما أنه لا يبدي أي هندسة مميزة. وبنى غالب حصناً قرب القصر على تلة داخل المدينة تحيط به أبراج متينة صلبة إلا إن حجمه أصغر بكثير من القلعة الكبرى ثم قام بتجهيزه بمدفعية، وبملئه بالمؤن حين تقدم الجيش التركي باتجاه الحجاز لكن حامية الجند لاذت بالفرار فوراً بعد أن وقع بالأسر كما فعلت حامية القلعة وتعرف التلة باسم جبل "لعلع" ويذكرها أحياناً الشعراء العرب في شعرهم.

صورة قديمة للحرم
المستكشف السويسري بيركهارت