نمر بحالة تحول لا يمكن أن تستوعبها عقول كانت «غافية».. لقد كنا نتعرض لضربات «القاعدة» وإرهابها، وبيننا جمهور عريض من جماعة «اللكننة»، الذين كانوا يترددون في تجريم أولئك الإرهابيين، بل ويصفونهم في بعض مجالسهم بـ»الشيوخ والمجاهدين والشهداء»، ومازلت أتذكر جيداً أن وصف الهالك بن لادن بالإرهابي كانت مغامرة غالباً ستنتهي بتكفيرك أو نبذك عن محيطك وتصنيفك!!.

ذلك الوقت الذي كان فيه قادة العمل الإخواني والسروري المؤسسون الحقيقيون لفكر داعش والقاعدة، والذين كانوا يرفضون نماذج الدولة الوطنية كافة، ويقطعون بخروج الأمة عن دينها، يحتكرون كل المنابر والمنصات المتاحة وقتها.

قصص كثيرة أصبحنا اليوم لا نصدق أنها حدثت لنا وأننا اقترفناها.. من يصدق أن بعض خلافاتنا حول مسائل فقهية بسيطة فيها خلاف مشهور ومتفق عليه بين المختلفين أنفسهم استغرقت عشرات السنين للتسليم بها، وأن المسألة في بعض جوانبها كانت مجرد عادات وتقاليد كنا نهرب من مواجهتها ونلبسها لباس الدين، بينما كان البعض يستبسل في الدفاع عنها وكأنها مسلمات دينية، حتى حصحص الحق واعترفوا ببراءة الدين من تهيؤاتهم وذهبوا لبيوتهم آمنين وكأن لا ذنب لهم ليكفروه.

ليس حديثاً بالماضي بل أتحدث عن الدرس الذي تعلمناه، وأشير بالتقدير لكل من «لبرلناهم» وسفهناهم لمجرد أنهم لم يكونوا مغيبين مثلنا، وأشعر بالأسف تجاه كل من صرح بفكرة جديدة ورجمناه، وتجاه كل من غرد خارج سربنا وهجرناه؛ لأولئك السابقين الذي تجاهلوا إساءاتنا ولسان حالهم يردد «لو تعلمون ما نعلم».. وقد تكشفت لنا اليوم بصيرتهم وبداهة آرائهم.

التقدير أيضاً لقلة قليلة مسالمة حتى هذه اللحظة مازالت غير مصدقة؛ لكنها سلمت وباتت تتغاضى عن شؤون الآخرين وتحاول الانشغال بشؤونها، من منطلق اقتناعها أخيراً أن لا أحد يملك مصادرة الحقوق واختطافها إلى الأبد، كما حدث في سنين الغفوة!.

كل ذلك يجب أن يكون درساً لكل «درويش» يردد ما يسمع دون وعي ودون تفكير، هل ستتركهم يخدعونك مرة أخرى، ويعبثون بحياتك، هل ستسلمهم مفاتيح عقلك مرة أخرى؟.

لا يجب أن تمر التجربة دون دروس نستثمرها لصالح الوعي، الوعي الجديد بعدم السماح بتكرار اختطافنا، وليس لصالح انتصارات مؤقتة أو لحظة تشف بحال مهزومين يعيشون أسوأ أيامهم.. بل لصالح تعزيز الوعي الوسطي وقطع الطريق على محاولات عزل الشباب عن ولائهم لأوطانهم، ودعم منهج الاعتدال الإسلامي.

ولا أعتقد أن من يطلق عليهم التنويريين أو التقدميين أو الليبراليين في عمومهم يبحثون عن قصاص بل أجزم أنهم عفوا عما مضى، ويبحثون اليوم عن استغلال حالة اليقظة الجماعية لتعزيز المكتسبات ومضاعفتها لصالح الوطن.. لصالح #السعودية_أولاً.