في العام 1814م وجد المستكشف السويسري، بريطاني الجنسية «بيركهارت» موقع «المسعى» جوار المسجد الحرام بمكة المكرمة، وجده الشارع الأكثر استقامة وطولاً في مكة، وأحد الشوارع المتقنة البناء ويحيط به من ناحية حي الصفاء جهة الصفاة مباني لائقة وجميلة حيث يتخذ الأغنياء مساكنهم في موسم الحج، ويقطنه أيضاً «أغا» المخصيين الذين يعملون في الحرم في منزل كبير معاً هم والصبية المخصيين الذين ترعرعوا هنا حتى وصلوا سن العمل، ولأنه أي المسعى يغص بالمتاجر الشعبية والمتاجر الأخرى فإنه الشارع الأكثر ضجيجاً وارتياداً في مكة ويشبه وصف شوارع جدة، فضلاً عن اثني عشر حرفياً ممن يصنعون زجاجات القصدير «المعدن» أو الصفيح من كل المقاسات، وهي التي يحمل فيها الحجاج ماء زمزم عند عودتهم، والمتاجر هي عامة مخازن أو منازل أرضية أقيم أمامها مقعد حجري يجلس عليه التجار تحت مظلة من الحصير، وتسود هذه العادة في كل أجزاء الحجاز وجرت العادة أن يستأجر الحجاج الأتراك منازل شارع المسعى كلها مجرد وصول الحجاج إلى ميناء جدة، وتحجز لأربعة أو خمسة أشهر سنوياً، إذ يبقى خلال هذه الأشهر مكتظاً كل يوم بالوافدين الجدد وبالمرشدين ومروجي الأخبار.

في أثناء إقامة بيركهارت في مكة بدا الشارع كسوق القسطنطينية حسب وصفه حيث كان يدير العديد من متاجر الأتراك القادمين من أوروبا وآسيا الصغرى يبيعون أنواعاً متعددة من الأزياء التركية المستخدمة، وهي إما ملابس الحجاج الموتى من الأتراك أو ممن باعها مضطراً لافتقارهم إلى المال. وتُعرض في السوق أيضاً سيوف متقنة الصنع، وساعات إنجليزية عالية الصنع، ونسخ جميلة من القرآن الكريم. وتعد البضائع الثلاث الأغلى في حقيبة أي حاج تركي. وفي هذا السوق كان طهاة المعجنات القسطنطينيون الأتراك يجهزون ويبيعون الفطائر والمربى في الصباح، ولحم الضأن والمشويات والكباب في المساء، كما يبيعون ما قال عنه: نوع من الهلام يدعى «مهلبية».

وتحتل مقاهٍ عديدة حيزاً من شارع المسعى تكتظ بالزوار من الثالثة صباحاً وحتى الحادية عشر ليلاً.

ويباع شراب من نوع البوزة ممزوجة بالتوابل وهو نوع معروف أيضاً بالقاهرة ويباع باسم الصوبيا.

لاحظ بوركهارت أن المسعى يعد كذلك مكاناً للعقاب وتنفيذ الأحكام فهناك يُقتل المذنبون المحكومون بالإعدام من قبل السلطات العثمانية، وخلال إقامته شاهد كيف ضرب عنق رجل بحكم من القاضي لتعمده سرقة حاج قادم من تركيا سلب منه مبلغ 200 جنيه استرليني، وهي العقوبة الوحيدة التي علم بها كما قال على الرغم من كثرة اللصوص الذين كانوا يجوبون الشوارع والبراري، ويعترضون الحجاج ويهاجمونهم ليلاً ويقتلون ويسلبون بينما يستمر الحج.

ونقل له أن تاريخ مكة كان يزخر بالمحاكمات التي ينتج عنها أفظع أنواع العقوبات في بعض جرائم السرقة، وذكر له ما وقع مثلاً في العام 1624م عندما تم سلخ جلد اثنين من اللصوص وهم أحياء وسط شارع المسعى، وفي سنة 1929م تم ثقب ذراعي وكتفي قائد عسكري عربي وتحديداً من اليمن كان قد سجنه الشريف الحاكم فثقبوا في مواضع عدة وثبت شموع مضيئة على مكان الثقب أو الجرح كما قلبت إحدى رجليه إلى الأعلى وشدت إلى كتفه بواسطة خطاف من الحديد وعلق في هذه الوضعية على شجرة ليومين حتى لقي حتفه. لكنه كما قال لم يسمع عن عقوبة سمل العينين والتي كانت شائعة في أجزاء أخرى من الشرق، لم يسمع أنها طبقت هنا من قبل حكام الحجاز.

بالقرب من «المروة» شاهد كيف تصطف دكاكين الحلاقين وعندها أيضاً تقام المزادات العلنية كل صباح على الملابس والسلع من جميع الأنواع ينادى عليها باللغة التركية، وبالتالي فإنه نادراً ما يكون هناك صبي في مكة ليس على إلمام باللغة ومعرفة الأرقام بلغة الأتراك.

وإلى الشرق من سوق المسعى شاهد عند المروة على الطرف شارع يسمى «سويقة» أو السوق الصغير يتفرع بمحاذاة الحرم، وهو الشارع الأكثر نظافة في مكة رغم ضيقة إذ يتم تنظيفه باستمرار ويرش بالماء. يعرض هنا التجار الهنود سلعهم من شالات كشميرية وموسلين، وهناك ما يفوق العشرين متجراً تباع من خلالها العطورات والزيوت الحلوة وبلسم مكة وخشب الألوة والصبر والزباد. كما تباع في متاجر أخرى عقود المرجان واللؤلؤ والسبحات وعقود العقيق الأحمر وعقيق الأختام وتشكيلة متنوعة من الألبسة الصينية يدير هذه المتاجر كلها الهنود لا يشاركهم أحد وسلعهم كلها صناعة هندية وإنتاج هندي.

ويستمر بوركهارت في وصف وسط هذا السوق حيث يبلغ عرض الشارع أربع خطوات فقط وهناك مقاعد حجرية عند كلا الجانبين ويعرض عندها الجواري والغلمان الأفارقة، وبما أن الجمال هو عنصر الجذب العام والشامل فغالباً ما يحيط بالمكان الحجاج المسنون والشباب الذين يدعون غالباً أنهم يساومون النخاسين، وذلك بغية رؤية الجواري الجميلات ولو لبضع لحظات وتنقل العديد من الجواري السمر إلى المناطق الشمالية من تركيا، وكان سعر أجملهن يتراوح بين 110 - 120 دولاراً.

(في حلقة قادمة سوف نتحدث عن أسواق تعد امتداداً لسوق المسعى)

شارع المسعى الأكثر ضجيجاً
حركه تجارية قرب المسعى