التفاعل مع التحولات التي تعيشها المملكة والتغيرات الإيجابية التي يعيشها المواطن السعودي سيسهم في الارتقاء بمستوى مركز الحوار الوطني ليصبح منصة للحوار وتبادل الآراء وليس طرفاً، بل يُهيئ المناخ المناسب كونه الوسيلة الفاعلة في رقي الشعوب..

التفاعل المجتمعي يظل متصوراً وحتمياً في سياق التحولات الاجتماعية والثقافية وآلية التفكير التي تطرأ على أي مجتمع إنساني، وهي التي عادة ما تستغرق وقتاً لبلورتها، ومن ثم تتضح صورتها في نهاية الأمر، كون الفهم عملية تحليلية تحتاج لمراحل زمنية متتالية من أجل أن تصل لمرحلة النضج.

من يتأمل القضايا المطروحة في المملكة، والنقاش الدائر بشأنها من نقاشات مثقفين وحجم المقالات الصحافية المليئة بالنقد والحراك الاجتماعي في الملتقيات وطرحه لقضاياه بصوت مسموع، كلها صور وأجواء لم يعتدها المواطن السعودي، ولكنها ظاهرة اجتماعية تقتضيها متطلبات العصر، ولا بد من ممارستها وتجرع صنوفها بكل ما فيها من أجل المرور إلى مرحلة أفضل ضمن السياق الإنساني والاجتماعي. هذا ما يلفت له النظر فضلاً عن القدرة في تغيير المجتمع البدوي البسيط إلى مجتمع عصري ذي مكونات مجتمعية وقيمية معينة. وهنا يتضح دور القرار السياسي الذي كان ومازال يتقدم المطالب الاجتماعية بمراحل، ويدفع باتجاه التطوير ضمن منظومة استشعارية للمجتمع تجس نبضه ومدى قدرته على الاستيعاب والاستجابة، ما يجعل النتيجة هي الاستقرار والنمو والإنتاجية.

هذه الحالة التي نمر بها تستحق التأمل والدراسة والتي تبلورت من انفتاح معرفي وثقافي بسبب الانفجار المعلوماتي الهائل، حيث كان الجيل السعودي الأكثر تعرضاً لهذه الموجة، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على نمطية التفكير وأسلوب الحوار وطرح القضايا. لمسنا ذلك رغم كل الإفرازات السلبية من مماحكات وصخب ولغة ومفردات واتهامات وتعصب وتمييز وتجاوزات وأخطاء، وهي متصورة وطبيعية نظراً للتجربة الوليدة التي يعيشها مجتمعنا، ولكنها إن أردنا الحقيقة مظهر حضاري ومناخ صحي يقودان إلى تلاشي هذا المناخ الملوث واقتلاع الأشواك وتحقيق قيم المواطنة والتعايش وبالتالي تنضج التجربة، وهو مسلك ضروري لا بد من عبوره والتجاوز من خلاله إن أردنا الوصول إلى شاطئ الأمان.

التفاعل مع التحولات التي تعيشها المملكة والتغيرات الإيجابية التي يعيشها المواطن السعودي سيسهم في الارتقاء بمستوى مركز الحوار الوطني ليصبح منصة للحوار وتبادل الآراء وليس طرفاً، بل يُهيئ المناخ المناسب كونه الوسيلة الفاعلة في رقي الشعوب. يقول ولي العهد: «إن اتساع وتيرة التغيير وسرعتها يُعتبران ضروريين للنجاح». ولذا أرى كمتابع أن سعودية اليوم ليست سعودية الأمس، التوجه الجديد واضح، والإرادة السياسية عازمة على المضي به، ولا ثمة تراجع أو تردد أو مهادنة، وهكذا تُدار الدول وتُحكم، حيث التخطيط السليم لحياة طبيعية ومستقبل مشرق للأجيال.

الحوار ظاهرة صحية تؤدي إلى التواصل والإثراء والتفاعل بين فئات المجتمع كافة بشرط قبوله كما هو، لا كما يراد له أن يكون، مع الأخذ في الاعتبار أن أزمته ستبقى قائمة ما لم ترتكز على الانفتاح على الآخر. الحوار هو الأساس في أي مشروع ثقافي أو طرح فكري، على الأقل في رأي كاتب المقال، كونه يفرز عادة مواقف متباينة ما يثري النقاش ويفتح المجال للآراء المتنوعة، بشرط ألا يجعل منه البعض فرصة للسيطرة والتباهي. سر النجاح يكمن في أن يكون المرء مستقيماً لا نافعاً، والاستقامة تعني هنا العدالة، أي قدرة الموازنة بين القناعة الذاتية وتقبل الاعتقاد المخالف، ولذا فهي معادلة تحتفظ بالمضمون (الاعتقاد الذاتي) والمزاوجة مع تفاعل الآخر (الرأي المخالف) في مساحة تسمح بالتفاعل وتبادل الإيقاع بين الطرفين.

ثمة ضرورة لتعويد الذات على احترام الرأي المخالف مهما كانت النزعة والاتجاه، ما يقتضي منا القيام بحركة نقد معرفية للثقافة والعقل، تحدد من جديد تلك العلاقات التي تربطنا بأنفسنا وبالعالم من حولنا، فالدور للعقل وليس للعاطفة، وإن كان العقل دائماً هو ضحية القلب كما يقال. الحل السحري لقيمة الحياة هو في أن نقبل الحوار ونرتكز على أدبيات الحوار ذاته، كالإصغاء وقبول الآخر واحترام الاختلاف، وأن التعددية والتنوع والأطياف هي إثراء وتعزيز لقيمة ومكانة المجتمع. أنا متفائل بمستقبل مشرق فعال يعكس تطلعات القيادة واهتمامات المواطنين في تناول الكثير من الموضوعات التي تمس حياتهم، وطرحها على طاولة النقاش، وهي مهمة وطنية نبيلة تصب في ضرورات الدولة والمجتمع.