لم يستعصِ مفهوم على التعريف والتوصيف الدقيق مثل «الإرهاب»، إذ إنّ ظلال هذا المفهوم له من الكثافة التعبيرية والشعورية والدلالة اللغوية والنفسية ما يبرّر هذا التأبّي على التوصيف أو القبض على سلوكه المعياري ودرجته.

فالإرهاب - بعيداً عن تعريفه وتناوله من ناحية سوسيولوجية أو إجرائية - يرتبط دوماً بحالة العنف والقسوة والقوة الشريرة المدمّرة ضد الأفراد والمجتمعات، وكذلك حالات الهلع والرعب والخوف التي تصاحبه وتسبغ وجودها المخيف عليه، هذا الوجود اللا إنساني الذي يجتز كل جمال، ويجتث بلا هوادة أي ملمح إنساني أو حضاري وجمالي يعيشه أي شعب يتعاطى مفردات الحياة الطبيعية البسيطة والمزهرة بالخير والعطاء وبناء الفكر والإنسان وقبول الآخر.

ولا غرو في ذلك؛ فالإرهابيون ينطلقون من رؤى وأفكار ثقافية خشنة وغير سويّة، ومن منظومة فكرية مضادّة للخير والحق والجمال، منظومة تستخفّ بكرامة العقل وسويّة الإنسان التي أوجده الله عليها، ووسم بها حضوره كل هذه التصورات المغلوطة والشائهة ليبرروا هذا الإرهاب والعنف والقسوة والتعاطي الدامي، الذي يطال كل من يخالفهم الرأي والفكر والتصوُّر.

ويبدو جليّاً حجم الشرور وكمية الإيذاء المتوقّعة ممن يعشعش فيه هذا الفكر وترسّباته؛ فهو عدوّ لنفسه قبل كل شيء، فالإرهاب يسلكه ويتّخذه منهجاً أشخاص عصابيون، أشخاص فقدوا المرونة وإمكانية التفاهم والحوار والتسامح في التعامل مع الأمور، ولم يستطيعوا إيجاد حل آخر لكل أزمة أو قضية تلم بهم؛ لذلك كان خيار سلوك العنف والإرهاب طريقهم.

وسط رهج هذه المخاوف من الفكر الظلامي وخطورة استمراره، سيما وأنه كامن ومستتر غالباً لا يظهر إلا ليدمّر ويعصف بكل استقرار ورخاء أو مع أي حراك ثقافي ومجتمعي في المجتمعات المنطلقة صوب التحضّر، تبرز ملامح الفكر الإرهابي الظلامي وتبرز معه الإشكالية القديمة المتجددة:

ما دور المثقفين، وما مدى فاعليتهم الثقافية في التصدي لهذه الآفة؛ آفة الإرهاب والفكر المتطرف، ومدى قدرتهم عموماً على الصمود في وجه التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربية التي ابتليت بهذا الفكر الآسن المناهض لأي حياة سوية معتدلة ومناهض للوسطية والاعتدال؟ أسئلة مهمة وتكتسب راهنيّتها من هذا الحراك الثقافي لمجتعمنا في شتى المجالات. هذه الأسئلة تصدى لها كُتّاب ومثقفون واشتبكوا مع منطلقاتها بكل واقعية في دراسة لافتة صادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت عنوان «قبضة جمر»، وعنوان فرعي: دور المثقفين في مواجهة الإرهاب. هذه الدراسة أكدت أنه مهما تعددت الوجوه فالإرهاب واحد، شعاره القتل وجنوده أناس بائسون، باعوا الدين والوطن، وسلموا أرواحهم للباطل، عميان البصيرة والقلب، لا صلة لهم بالعقل، ولا مكان عندهم للمنطق، يبحثون عن ضالتهم في بحيرة من الدماء، ولا يعثرون إلا على شلاّل من الكراهية والحقد.

ومن الآراء اللافتة التي تستحق الإشارة لها، رأي الكاتبة والصحفية العراقية لطفية الدليمي التي تعتقد أن المواجهة الثقافية أوجب من مواجهة السلاح، وتشير إلى أهمية الثقافة في صلب البناء الإنساني، وتؤكد على أن بداية الإنقاذ لشعوبنا العربية من الإرهاب تبدأ من تلك المفاصل المختلّة بطرح منظومة ثقافية ومشروعات ورؤى معاصرة تنطوي على اعتزاز بالقيم الجمالية الرفيعة، وتعلي من شأن ثقافتها المحلية لتحمي الروافد الساسية لثقافة بلدها، ثم يُصار إلى توحيد الرؤى والمقترحات الممكنة التطبيق وتبادُلها على المستوى العربي كخطوة أولى لمواجهة ثقافة التشدد والإرهاب.