لبنان كمجتمع، رغم ما شهده من حرب أهلية عنيفة، والنزاعات الطائفية المسلحة، التي انعكست كثقافة في عقول ونفوس الكثيرين، إلا أنه بقي مساحة للتعدد والاختلاف وقبول الآخر، وبيئة للحريات الفردية.

لن تجد في هذا البلد المتوسطي الصغير طائفة دينية منغلقة على نفسها، الجميع دون استثناء يتميزون بحيوية فكرية وسياسية ومجتمعية، تجعل التعدد سمة رئيسة لا يمكن تجاوزها.

صحيح أن زعماء الطوائف لا يزال لهم حضورهم، ويستخدمون لغة أقلوية لشد العصب، وحشد الجمهور ضد الآخر، إلا أنها مجرد خطاب نفعي، يستخدم في اللحظات الانتخابية، أو المواجهات السياسية ذات الطابع الاقتصادي، التي يراد الانتفاع منها، ضمن مبدأ «المحاصصة السياسية»، وهي القاعدة «الذهبية» للفساد المالي والإداري!

المسلمون الشيعة في لبنان هم جزء من هذا التنوع، الذي لا يمكن التعامل معه بوصفه كتلة واحدة صماء، تسير خلف زعيم واحد، منقادة له، غير متسائلة إلى أين يأخذها، أو أي مشروع مستقبلي يرسمه لها؟!

تاريخياً، شكل الكثير من الشيعة خزاناً للحركات اليسارية في منتصف القرن الميلادي المنصرم، وكانوا كوادر فاعلة في حركات النضال الوطني، وشكلت أسماء مهمة منهم أبرز المنظرين للفكر اليساري، مثل الراحلين حسين مروة ومهدي عامل. كما أنهم الآن في طليعة الكتاب والمثقفين العلمانيين، المؤمنين بأهمية تفكيك الخطابات المتطرفة، وتجاوز التراث، وهي الحقول التي كتب فيها مثقف مثل علي حرب، يعتبر في أطروحاته من أبرز المفكرين العرب ذي النزعة التفكيكية، والمتأثر بالفلسفة الفرنسية.

التيار الديني هو الآخر اشتمل على مرجعيات ومثقفين، شكلوا تنوعاً ثقافياً، عمل على خلق جو من النقاشات والجدل، لم تكن معتادة في الأوساط الشيعية التقليدية.

السيدان هاني فحص، ومحمد حسن الأمين، شكلا هما بدورهما مثالاً على عالم الدين المنفتح سياسياً، المؤمن بالدولة المدنية، المتصالح مع «العلمانية»، وغير المتوجس من الآخر، بل المؤمن بضرورته لاكتمال الذات.

أسماء كثيرة في الساحة الشيعية الآن، بعضها يتسم بالعمق الفكري والنضج السياسي، والآخرون ربما يكونون على قدر أقل من الوعي، إلا أنهم بالتأكيد يشكلون تنوعاً يثري لبنان الدولة أولاً، ومجتمعهم المحلي ثانياً.

الشيعة في لبنان اليوم هم جزء من الكيان، يقدمون أنفسهم بوصفهم مواطنين أولاً، وليس بصفتهم أتباع مذهب معين، يؤمنون بمرجعية الدولة، وأهمية العمل على نزع الطائفية من الحياة السياسية، وتخفيف حدة الاحتقانات المذهبية التي سببتها النزاعات بين الفرقاء السياسيين.

هذا الوعي المتشكل يجب ألا يقمع، أو يصور وكأنه انعكاس لمصالح ذاتية أو أسرية، وكأن هذه النخبة ليست إلا حفنة من المرتزقة والأنانيين الذين باعوا أنفسهم في مزاد السفارات!

«شيعة السفارة»، ليس إلا مجرد توصيف قدحي، لا يليق بأن يشهره أصحابه في وجه المختلفين معهم، هي مقولة بمثابة سلاح يمارس لإعدام الخصوم، وتشويه تاريخهم السياسي.

الانتهازيون موجودون في كل تيار، وطائفة، وجماعة. ولكن أن يتم تصوير كل من اختلف مع حزب الله وحركة أمل بأنهم خائنون، وعملاء لواشنطن، ويتلقون الرشاوى، ويطعنون أهلهم في الظهر، فذلك كذب بواح.

هذه الحيوية المدنية في الأوساط اللبنانية الشيعية يجب تعزيزها، والتعامل معها بوعي؛ لتأسيس رأي عام غير منحاز مذهبياً، لكي يقدم الفرد نفسه بوصفه لبنانياً وفقط، متجاوزاً الهويات الضيقة لأي دين أو طائفة انتمت.