قد نعتاد الأشياء حتى لو كانت منغصات، فالحياة ليست كلها ممهدة السبل سهلة المسالك. وتقلبات الطقس، وتضارب المصالح، وصراع الإرادات، وغيرها الكثير.. قد لا تأتي على هوانا.. لكننا نتعايش معها لدرجة الاعتياد، فتسير بنا سفينة الحياة دون توقف أمام هذه الأمور المعتادة. شخصياً.. لطالما عانيت ككثيرين من الزحام، وأحياناً أحس أن الشوارع والطرقات تكاد تنفجر من شدة الضغط المروري عليها. وفي الحقيقة لا أعرف إن كانت هناك إحصائيات عن الهدر الذي يصيب الزمن جراء اختناقات السير، فالزمن سلعة لها قيمتها الثمينة كما يعرف أولو الألباب، وأحسب أن كل شخص يعيش في مدينة مزدحمة يحتاج عشرات الساعات شهرياً كي ينفقها على الوقت ذهاباً وعودة لقضاء حوائجه الحياتية. والرياض كمدينة عصرية تضج بالحياة والنشاط الاقتصادي، ليست بمنأى عن قبضة الزحام المروري، خصوصاً في ساعات الذروة الصباحية والمسائية، وقد أصبح هذا التزاحم معتاداً، ورتب الكثيرون أمورهم العملية والحياتية بحيث تستوعب الزحام، فلكل مشوار حساباته الزمنية، بل ولم يعد مقبولاً أن يتذرع شخص بزحام المرور كعذر عن تأخير حضوره لعمله أو دراسته.. ولأن الرياض مدينة لا تعيش حاضراً زاهراً فحسب، وإنما تتطلع للمواكبة والنماء، فإن عملاً عملاقاً كمشروع المترو هو جزء من طموحها لخدمة من يعيش فيها، وهو مشروع لا يقوم في الفضاء، لكنه يتقاسم مع الخدمات الأخرى ما يتاح من مساحات على أرض الوجود السكاني، وسيكون له مردوده المستقبلي الضخم على الانسياب المروري وخدمة النقل للقوى البشرية. ومن المؤكد بالطبع أن التحويلات وأعمال الحفر والإنشاءات المرافقة لمشروع المترو قد تركت بعض بصماتها السالبة على انسيابية الحركة المرورية، ولا سيما في الطرق التي يمر بها مسار المترو، لكن الاجتهاد كان ملحوظاً في الحفاظ على قدر معقول من الحركة، بحيث لا تصل الأمور إلى حد الشلل في أوقات الذروة، ولذلك استمرت الحياة تسير بشكل عادي رغم بعض المعاناة، حيث اعتاد الناس على ما يجري، ورتب الجميع عنصرهم الزمني على المستجدات، بل وأعاد الكثيرون خرائط مساراتهم المعتادة تفادياً للزحام وتخفيفاً من آثاره. في رأيي إن مشروع المترو هو من أكبر المشروعات التي تستثمر في الزمن، فما سيتيحه من كسب للوقت وتخفيف للزحام سيكون له مردوده العالي، وهذا ما يجعل بعض المعاناة الحالية جراء الزحام شيئاً مقبولاً قياساً بالثمار اليانعة التي تنتظرها الرياض في المستقبل القريب بإذن الله.