هذه المشكلة يشترك فيها طرفان رئيسان هما: (المستهلك) و(الممول) الذي قد يكون مصرفاً أو مؤسسة تمويل تنادي الناس صباح مساء، وتحرضهم للحصول على القروض الاستهلاكية للأسباب التافهة، ثم إذا وقعوا في براثن قروضها انقضت عليهم تحيل حياتهم وحياة أسرهم جحيماً لتعثرهم في السداد..

سجناء الديون الذين تم حبسهم تنفيذياً بأحكام محاكم التنفيذ، لعدم سداد ما في ذممهم من ديون للغير، يشتركون في هذا العنوان العريض، إلا أن تفاصيل الفروق بينهم كثيرة ومتباينة.

ولا أعني هنا الفروق بين مبالغ مديونيات كلٍ من هؤلاء المحبوسين، الذين قد يكون بعضهم محبوساً في مبلغٍ بآلاف الريالات، بينما البعض تصل مديونية أحدهم إلى عشرات أو مئات الملايين؛ إنما أعني بالفروق هي الفارق في أسباب تراكم هذه الديون، وحقيقة التعاملات التي نشأت عنها.

لقد جاء نظام التنفيذ ولائحته التنفيذية ليقررا حبس المدين المماطل، ثم جاء تعديل اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ ليفصّل في المادة (83) من النظام الحالات الواجب فيها حبس المدين، وكان من هذه الأحوال ما نصت عليه الفقرة (1/ 2 / 83/ أ) على أنه يجب حبس المدين إذا كان سبب المديونية توظيف أموال أو ما في حكمه.

ولعل من الواضح هنا أن المقصود بعبارة (ما في حكم توظيف الأموال) أنها الحالات التي كان تراكم الديون فيها على المدين بسبب ممارساتٍ احتياليةٍ، أو تلاعبٍ بحقوق الناس، أو أعمال غير مشروعة أو غير نظامية.

وللقارئ الكريم أن يتصور البون الشاسع والكبير بين اثنين محبوسين سوياً، أحدهما محبوسٌ في ديونٍ قد تصل لمئات الملايين، أخذها بطرقٍ احتياليةٍ وغير مشروعة، بينما يجلس بجواره في الحبس رجلٌ مسكينٌ ضعيف، قد يكون حبسه لأجل دينٍ لا يتجاوز آلاف الريالات، ويكون اضطر للوقوع في هذا الدين تحت وطأة الظروف المعيشية الصعبة، إما لسدّ حاجته أو حاجة عياله!.

وقد جاء تعديل اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ أخيراً، ليعالج بعض حالات الحبس في الصورة الثانية، ويجعل حبس المدين ضمن صلاحيات قاضي التنفيذ، وداخل سلطته التقديرية، فيما عدا الحالات المنصوص عليها في تعديل المواد التفسيرية للمادة (83) من النظام. وهذا قرارٌ في غاية الإيجابية يشكر لوزارة العدل، ويؤكد إدراكها واطلاعها المباشر على مئات الحالات الإنسانية لسجناء من الشريحة الثانية (شريحة الضعفاء وذوي الديون الاستهلاكية كما يقال)؛ إلا أن لي مع هذه القضية عدة وقفات هي:

أولاً: إنه رغم صدور تعديل اللائحة التنفيذية المشار إليه، ما يزال هناك مئات السجناء المحبوسين في الديون العادية البسيطة، التي دفعهم إليها الاضطرار، لسد احتياجات المعيشة الصعبة.

وهنا أدعو لتتبع مثل هذه الحالات والبحث عن المنسيين ممن قد يكون ألقي بهم في الحبس وليس عندهم وكلاء ينوبون عنهم لمراجعة محكمة التنفيذ، فلعل وزارة العدل تراجع قرارات الحبس الصادرة قديماً، وتفرز مثل هذه الحالات لإطلاق سراحهم.

ثانياً: جاء في تعديل اللائحة التنفيذية أن من حالات الحبس وجوباً أن يكون عدد الدائنين يزيد على خمسة، وهذا بلا شك قد يكون مؤشراً على تلاعب المدين بحقوق الناس؛ إلا أن هذا المؤشر غير قوي ولا كافٍ وحده؛ لأننا نعلم جميعاً الكثير من البسطاء وذوي الدخل المحدود يضطر أحدهم للاستدانة من القريب وزميل العمل وصاحب بقالة الحي لسد احتياجات معيشة أهله، ويكون مجموع هذا الدين كله لا يتجاوز مئة ألف ريال مثلاً، بينما عدد الدائنين أكثر من خمسة، ولهذا أدعو الوزارة لمراجعة هذا القيد، بإضافة قيد آخر يحدد حجم المديونية ليكون ما زاد على مئتي ألف ريال مثلاً.

ثالثاً: إن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي حدثت أخيراً في المجتمع السعودي، تدعو إلى ضرورة مراجعة ثقافة المجتمع الاستهلاكية، وإطلاق مشروع وطني متكامل تقوم عليه عدة وزارات، يستهدف تجفيف منابع هذه الديون الاستهلاكية التي قد يتبين عند البحث أن نسبة كبيرة منها إنما هي ديون لأسباب كمالية لا احتياجات أو ضرورات حقيقية، وأن الدافع وراء تراكمها إنما هو في إصرار بعض ذوي الدخل المحدود أن يعيش بنفس مستوى ذوي الدخل المرتفع، وألا يتنازل عن شيء من كماليات المعيشة ليحيا حياةً ناعمةً لا مكان فيها للاستغناء عن بعض الكماليات.

وهذه المشكلة يشترك فيها طرفان رئيسان هما: (المستهلك) و(الممول) الذي قد يكون مصرفاً أو مؤسسة تمويل تنادي الناس صباح مساء، وتحرضهم للحصول على القروض الاستهلاكية للأسباب التافهة، ثم إذا وقعوا في براثن قروضها انقضت عليهم تحيل حياتهم وحياة أسرهم جحيماً لتعثرهم في السداد.

وهنا أدعو أن يتزامن مع حملة التوعية إجراءات ردع ومحاسبة لمنع الحملات الترويجية المحرضة للناس على التساهل في القروض الاستهلاكية.

وبتحقيق ما طرحته في هذا المقال أرجو أن نعالج آلاف الحالات من سجناء الديون الذين كان بالإمكان عدم حبسهم من الأصل.