تظل الحقائق ناقصة أو مؤدلجة عند بعض الشعوب الواهمة بحاضرها القديم.

كل أهل ديانة، مذهب، عرق، سياسة معينة يعملون جاهدين على تجميد واقع مخطوطاتهم القديمة، والذي قد يثبت أو ينفي أجزاء مهمة مفصلية عن حقيقة تاريخهم ومعتقداتهم.

ولمَ لا؟ فقد ظلت السلطة المتعاقبة والسياسة العرجاء على مر العصور تنتخب المعلومات البراقة، التي تزيدها شرفاً وتمكناً وعلواً، وتزيح كل ما يحتمل الشبهة.. والمخطوطة هي ما كتب بخط اليد في الأزمنة القديمة سواء على أوراق أو رقوق أو مواد عضوية.

وفي العالم العربي والإسلامي تشمل المخطوطات كل ما كتب قبل إدخال آلة الطباعة فكان النسخ اليدوي شائعاً حتى بدايات القرن المنصرم لندرة الطباعة وكلفتها الباهظة.

ودراسة المخطوطات تعتبر اليوم علماً أكاديمياً دقيقاً يندر أن يقع في الخطأ، إذا ما تمكنت الجهة الباحثة من الحصول على التسهيلات المطلوبة، ومتى ما نُزعت القدسية عن محتوى المخطوطة، وأعطيت للباحث الحرية والقدرة التامة على دراستها ومقارنتها بشبيهاتها المتزامنة ووضعها في التسلسل الطبيعي وذلك للخروج بحقائق واقعية، مهما كانت نتائجها.

جامعات عالمية عريقة أبدعت في حفظ ودراسة المخطوطات القديمة ومعالجتها بما يسمى علم آثار الكتب، وبأمانة ومعرفة وقدرة على تحديد مصداقية محتوى كل مخطوطة بما لا يدع مجالاً لتعدد الآراء، وما يضعها في مكانها وزمانها الصحيحين، واكتشاف عمليات التزوير باتباع أحدث الطرق العلمية التقنية ودراسة الخط المستخدم، والحبر، والعمر الكربوني لمحتوياتها وتتبع وإثبات سائر الظروف والدلائل.

وجامعات ألمانيا هي الأكثر نشاطاً في دراسة المخطوطات العربية والإسلامية، وهي الأكثر أمانة وقدرة على معالجة وحفظ المخطوطة.

وتعد (مكتبة الدولة البافارية)، في ميونخ حالياً أحد أشهر وأقدم وأهم المراكز البحثية في العالم بعد مكتبة الفاتيكان ومكتبة الكونغرس؛ وهي تحتوي على 10 ملايين كتاب ومجلد وأكثر من 60 ألف صحيفة ومجلة ومطبوعة من معظم اللغات القديمة والحديثة، وتحمل من القرون الماضية، أكثر من 95 ألف مخطوطة تاريخية نادرة، وتتعامل معها بما يكفل حفظ التراث الإنساني.

وعلى الجانب المظلم فمعظم ما تحتويه جامعات ومتاحف الشرق الأوسط من المخطوطات يكون العامل البشري والسياسي والهيمنة الدينية قد عملت بكل جهودها لتأكيد بعضها، وتهميش البعض الآخر لاحتوائه على معلومات لا يراد لها أن تذكر!

مخطوطات كثيرة تم التلاعب بها وتزويرها على مر الحكومات الشرقية القديمة، فزين ولمع بعضها، ومنع ظهور مجموعات أخرى وإخفائها أو إحراقها، مع رص بعض المخطوطات الزائفة في المتاحف دون إخضاعها لدراسة علمية موثقة، ودون السماح لخبراء الفكر الإنساني بدراستها، ودون التعامل مع مراكز البحث في الجامعات المتمكنة العريقة،