يتقاطرون من أطراف المدينة، يحتدمون أمام الباب، يطيلون الوقوف، ينهرهم الحارس، يتراجعون للوراء بخوف وحذر شديدين، يختفي الحارس وراء الأبواب، يعودون إلى التدافع من جديد، يفترشون الأرض لساعات طويلة تحرياً لفتح الباب، كان (صعيان) أحد هذه الجموع، جاء من بعيد يبحث عن المقسوم، وهو أب لأسرة ضخمة، وزوج لثلاثة نساء، يحلم بالزواج من الرابعة، تيمناً بوالده وجده وأسلافه الأولين، كان يمضغ التبغ، ويشعل المجالس التي يدور عليها بجدليات بالية، أكل عليها الدهر وشرب، كان متعلقاً بالماضي، ومنفصلاً عن الحاضر، يحارب الجوالات، والقنوات، والكمبيوترات، والسينمات، وكل ما هو جديد، يستهدف (السلوم)، ويضر بالعادات والتقاليد على حد زعمه.

ومن أدبياته الضاربة أن (الحرمة) مكانها البيت، ولا مكان آخر غير البيت، ينتمي لترهات موغلة بالماضي أكثر من انتمائه للحارة والمدرسة، يمثل العنصرية بكل صورها وأشكالها، هجر مقاعد الدراسة وهو في ريعان شبابه، اشتغل موظفاً في شركة إلا أنه طرد من العمل لبلادته، حاول أن يستدين بعض المال ويشتغل (بالبزنس) لكنه غرق في الديون وفشل، كان يرمي بفشله على الظروف وعلى الآخرين، كان ساخطاً على الوعي ويعتبر أنه عدوه اللدود، لأنه حيد الجيل عن ثقافة الآباء والأجداد.

كل هذه الذكريات تجتاحه وتموج في ذاكرته وهو بين هذه الجموع ينتظر فتح الباب، يرصد هذه الفوضى من خلال مكانه الضيق والمختنق، ونتيجة لضعفه وهزال عوده فكثيراً ما ينفرط بين الأقدام، يكون وجهه عرضة للركل والدهس ليحاول النهوض من جديد، لا يعلم أن قدره المحتوم يسوقه إلى نهايات تعيسة، وفجأة يفتح الباب، فيندفعون إلى الداخل مثل قطيع مذعور، وعلى الرغم من اتساع الباب إلا أنه ضاق بهذه الكتل البشرية.

يبدو (صعيان) واضحاً للعيان وسط هذه الجموع، يحاول التمسك لكن الزحام يبتلعه، يحاول التشبث لكنه ينجرف، فيستنهض همة ونخوة الآخرين دون جدوى، يصرخ، يستغيث، لكن صرخاته تذهب مع الريح، لا أحد يصغي فالكل منشغل بنفسه، لم يستطع أحد إنقاذه، ظلت صرخاته تعلو المكان إلى أن تراجعت شيئاً فشيئاً وخبتت، لحظتها راجت عدة إشاعات متناقضة ومتضاربة حول مصيره فقيل إنه استطاع عبور الباب، وقيل إنه أصيب إصابات بسيطة وعبر الباب، لكن ما إن انفضت هذه الجموع حتى أضحى (صعيان) مجندلاً بالمكان لينتهي هذه النهاية البائسة وهي الموت دهساً بالأقدام.