تختلف الدول باختلاف التاريخ التراكمي للحكم فيها، ويمكن المقارنة في هذا المجال بين الولايات المتحدة حديثة التاريخ والإمبراطورية العجوز بريطانيا، ففي الثانية يتم التعامل مع القضايا الحساسة عبر إطلاق بالونات اختبار يتم التنصل منها في حال الفشل وقطف ثمارها إن نجحت، أما الأولى فيمكن أن تتعامل بنزق الشباب وحماسه.

وسبق أن ذكرت هنا بعد دخول القوات الأميركية والبريطانية للعراق العام 2003، فقد اشتكى الأميركيون من التعامل الفظ من العراقيين معهم على عكس تعاملهم مع الإنجليز في البصرة، وكان الظن الأميركي آنذاك أن يتم استقبالهم بالورود كفاتحين لا محتلين، وكتبت صحيفة الفايننشال تايمز آنذاك تقريراً عن هذا الوضع وفحوى الشكوى فكان جواب الإنجليز نحن نطرق أبواب العراقيين ونستأذن تقديراً لحرمة البيوت ولا نكسر الأبواب بأحذيتنا العسكرية وندخل بصراخ الغاصبين.

هذه التجربة لم تأتِ من فراغ وإنما من تاريخ استعماري طويل، فكانت رسالة إنجليزية للعراقيين عبر بالون اختبار صحفي ليصل للداخل العراقي، ونحن اليوم أمام بالون اختبار إنجليزي آخر ولكن في سورية، وهذه المرة جاء على لسان دبلوماسي متقاعد وسفير سابق في سورية.

ومن خلاله نقلت صحيفة الاندبندنت عن اللورد غرين السفير البريطاني الأسبق لدى سورية «إنه يتعين على المملكة المتحدة أن تعيد فتح سفارتها في دمشق وأن «تبتلع كرامتها» من أجل بناء علاقات مع الرئيس السوري بشار الأسد».

وهنا بدأ الاختبار الانجليزي فتضرب مع الأميركان والفرنسيين باليمين وتبتلع كرامتها باليسار، وستربح في أي اتجاه تأخذها الرياح، ليس عيباً أن يتعلم العالم من بالونات اختبار الإنجليز، فهي استعمارية ناجعة تتماشى مع لغة العصر، فالدم السوري يراق كل يوم وبوحشية إيرانية وروسية وميليشيات الولي الفقيه اللبنانية.

اجتمعت قوى الشر هذه ولم تترك نافذة لتسوية سلمية تنتج بديلاً يطمئن بقية قوى الشر حول مستقبل مصالحها في سورية، لا أمل في معارضة موحدة فقد اخترقها العدو قبل أن يؤلف بين قلبها الوطن، شيء مؤلم ومحزن، فهل يمكن للمعارضة السورية أن تستفيد من قبل أن يبتلع الإنجليز بقية كرامتهم وتصبح مصالحهم معها قبل الانحراف نحو الأسد؟ أعتقد أن للمعارضة أن تبتلع كرامتها وتتحد بشكل يقلب الطاولة على نظام بشار الأسد العلوي الطائفي وتقدم نفسها في حلة تليق بمستقبل سورية، وإذا لم تفعل المعارضة ستطبخ العجوز بقية الكرامة في طبق تبيعه للعالم على أنه الصواب والبديل لمعارضة مفككة وهزيلة.