عند ما جاء سويسري الأصل بريطاني الجنسية «بوركهارت» الى مكة عام 1814م فترة الحكم العثماني كانت الحجاز ومكة بالذات هي الاقل معرفة حتى في المعرفة الدينية وقد لا تكون الأمور كذلك سابقا حين تم بناء العديد من المدارس العامة والرباطات والتي حولت إلى مساكن خاصة للحجاج ولم يبقَ إلا الحرم الذي يضم حلقات محدودة من العلم والدروس والتي يتعلم فيها الصبية أيضاً القراءة والكتابة بشكل محدود جداً ولهذا خلت مكة في معظم الأوقات من الكتب بمختلف اهتماماتها وقد عزا بوركهارت الندرة في الكتب القيمة في مكة ربما إلى ما يشتريه الحجاج باستمرار ويتم تصديره خارج مكة إذ لا يوجد في مكة أي ناسخين لإعادة نسخ الكتب التي تشترى لأن الحاجة الى الناسخين هي فعلا شكوى عامة كما هي الحال أيضاً في سورية ومصر متوقعاً أنها ستؤدي حتماً في النهاية إلى نقص تام في الكتب في تلك البلاد إذا ما استمر التصدير إلى أوروبا. مشيراً إلى أن هناك في القاهرة حاليا ما لا يتعدى الثلاثة ناسخين خبراء ممن يكتبون بخط جيد, ولديهم معرفة كافية تؤهلهم لتفادي الأخطاء الفادحة. كان هناك في مكة كما قال رجل من لاهور يكتب الخط العربي بشكل جميل جدا رغم انه يتكلم اللغة العربية بغير اكتراث. وكان يجلس في متجر قرب باب السلام وينسخ للحجاج الأدعية الواجبة في أثناء الحج. مشيرا إلى اختلاف وتباين الخطوط بشكل عام وضرب مثلا اختلاف الخط الحجازي عن ذلك المستعمل في مصر وسورية, لكن تمرينا صغيرا بحسب قوله يجعله مقروءا بسهولة. وبشكل عام, فإن لكل بلد.. لا.. بل لكل منطقة حتى من الشرق طريقته وأسلوبه في الكتابة والتي يتمكن الشخص من تمييزها بالممارسة فقط. وهناك اختلاف حسب تأكيده في الظلال في خط الحلبيين, وأهل دمشق ومصر, ويمكن التمييز في هذه الحالة بين خط (قاهري) وخط أحد سكان جنوب مصر. كما يختلف خط المسلمون في كل مكان عن خط المسيحيين الذين يتعلمون الكتابة عبر كهنتهم وليس عبر اساتذة أتراك, كما أن لأقباط مصر كذلك خطاً يختلف عن خط المسيحيين الآخرين المقيمين في البلاد. ويتمكن الخبير من خلال عنوان رسالة. من معرفة المنطقة أو العرق الذي ينتمي اليه الكاتب. ويمكن تمييز اللهجات أو اللغات المحكية وأسلوب كتابة الرسائل بالقدر نفسه كالخط. وهذه الملاحظة تطبق بشكل خاص على التعبيرات الإضافية التي تزخر بها الرسائل دائما, فأسلوب سورية كما يقول هو الأكثر تأنقاً وبلاغة ونجده حتى في رسائل الأعمال الصرفة. وأسلوب مصر هو أقل مجاملة. أما أسلوب الحجاز فبسيط ورجولي ويقترب من صراحة البدو, ويحتوي على بضع كلمات فقط للاستعلام عن صحة وخير الشخص المرسل اليه, وذلك قبل الفحوى المباشر للرسالة, ولكل بلد كذلك طريقته وأسلوبه الخاص والمميز في ثني الرسالة ففي الحجاز يتم ختم الرسائل بصمغ عربي. وهناك وعاء خاص مليء بالصمغ المذوب معلق قرب بوابة كل منزل كبير أو خان. ومهما تكن اللامبالاة التي يظهرها المكيون نحو التعليم فإن لغة مدينتهم كما قال لا تزال أكثر نقاء وأناقة في الأسلوب واللفظ منها في أي مدينة أخرى تتكلم العربية. فهي تقترب أكثر من أي لهجة أخرى من اللغة العربية المكتوبة القديمة, وقد خلت من تلك التأثيرات والتحريفات للمعنى الأساسي, التي تكثر في مناطق أخرى لكن بوركهارت رغم ذلك لا يعتبر اللغة العربية في حالة انحطاط. صحيح فيقول: ليس هناك بعد أي شعراء يكتبون كالمتنبي وأبو العلاء أو ابن الفارض, وأن العرب لم يملكوا أبداً نصاً نثرياً جيداً, إذ يكتفي الشعراء العصريون بمحاكاة أساتذتهم القدماء مستعيرين بتواضع الصور المجازية والاستعارات الرائعة والمشاعر القوية الصادرة عن قلوب أكثر نبلاً وحرية من قلوب علماء العصر الحالي. لكن في الوقت الحاضر حتى تتم دراسة اللغة بعمق من قبل كل الرجال المتعلمين والمثقفين. فهذا هو العلم الوحيد الذي يستطيع بواسطته المسلم الراشد تمضية أوقات فراغه, بعد أن يكون قد سبر غور الشرع واستكشف متاهاته, ويعتبر ذلك أمراً ضرورياً لا غنى عنه للحصول على ثقافة جيدة, في كل مكان من الشرق ليس فقط بهدف كتابة اللغة بصحة وصفاء, لكن أيضا لقراءة الشعراء الكلاسيكيين ودراستهم وحفظ أجمل ما كتبوا غيبا.

الشعراء العصريون يحاكون القدماء مستعيرين الصور عن قلوب أكثر نبلاً

ويمضي إلى القول بأن الإعجاب والتقدير الذي يوليه العلماء العرب لأفضل كتابهم يحاكي التقدير الذي يكنه الأوربيون لكتابهم الكلاسيكيين, وبالرغم من أن الأغلبية الساحقة من الشعوب الشرقية لا تحسن الكتابة أو القراءة. لكن نسبة كبيرة جداً من أولئك الذين تلقوا تعليماً في صناعة الكتب يكتبون بأسلوب جليل وهم أكثر إطلاعاً على كتاب بلادهم من نظرائهم الأوربيين من الطبقة نفسها.

أخيرا يشير الى أن المكيين لا يدرسون الشيء الكثير إلى جانب اللغة والشرع. عدا ما يتعلمه بعض الصبية بما يكفي من اللغة التركية ليتمكنوا من التعامل مع الحجاج العثمانيين وغشهم. لأن معرفتهم بتلك اللغة ترجح كفتهم ليصبحوا مطوفين لهم. أيضاً يتعلم عالم الفلك في المسجد معرفة الوقت المحدد تماما لمرور الشمس عبر دائرة خط الزوال الهاجرة «منتصف النهار» ويشغل نفسه بعلم التنجيم والأبراج. مثله مثل الطبيب الفارسي, أستاذ الطب الوحيد المعترف به في مكة وهو لا يتعاطى إلا في الأدوية العجيبة والاكسير الناجع, والجرعات كلها حلوة المذاق وسائغة وينشر عبر منجرة المسك وخشب الألوة المحترق عبيرا لذيذا ساهم في تعزيز شهرته.

مكة قديماً
من الخطوط الاسلامية القديمة