تسود مدينة الرياض حالة من الترقب الممزوج بالتفاؤل والآمال الكبيرة، في أن يشهد قطاعها العقاري حراكاً غير مسبوق، وانتعاشاً مغايراً في مفاصله كافة، خلال الفترة المقبلة، ليعوض ما فاته من جمود وتراجع، سيطرا على المشهد العقاري العام خلال السنوات الماضية. ويأتي ذلك بالتزامن مع انطلاق «معرض ريستاتكس الرياض العقاري» أمس الأحد تحت رعاية معالي وزير الإسكان الأستاذ ماجد بن عبدالله الحقيل، في مركز الرياض الدولي للمؤتمرات والمعارض، ويستمر خلال الفترة من 22 إلى 25 أبريل 2018م. وتتميز الرياض بعدة أمور تمهد الطريق لطفرة عقارية، من بينها نسبة النمو السكاني المرتفعة في المدينة، والحاجة إلى المزيد من المساكن بمختلف مستوياتها ومساحاتها، لتلبية الطلب المتزايد عليها.

في الوقت ذاته، تنتظر الكثير من شركات التطوير العقاري، الضوء الأخضر للانطلاق نحو آفاق رحبة، وضخ المزيد من الاستثمارات في القطاع، في صورة مشروعات سكنية وتجارية عملاقة في جميع مناطق العاصمة، وهو ما سيسهم ـ بالتالي ـ في انتعاش قطاع التمويل، الذي تقوده البنوك السعودية وشركات التمويل العقاري، بالاتفاق مع وزارة الإسكان، وصندوق التنمية العقارية.

ويشارك في «معرض ريستاتكس الرياض العقاري» عدد من الجهات والشركات والمختصين. ورافق المعرض ورش عمل أقيمت في قاعة كبار الشخصيات بالمركز، تناولت موضوعات «قطاع الإيجار بين الواقع والمستقبل»، و»تحديات المطورين العقاريين وحلول إتمام»، و»دور الفروع في خدمات المستفيدين»، و»التعريف ببرنامج الشراكة مع القطاع الخاص – شراكات». ويأتي انطلاق «معرض ريستاتكس الرياض العقاري» وسط ترقب السوق والمواطنين لما سيقدمه، من حلول عملية وتوصيات، تساهم في إنعاش القطاع العقاري في العاصمة الرياض، ومن ثم مناطق المملكة، فضلاً عن قدرته على تحريك القطاع، وتحديد أولوياته، يساعد على ذلك، مشاركة أكبر وأهم شركات التطوير العقاري في المملكة وخارجها، إضافة إلى مشاركة عدد من البنوك السعودية، التي تساهم في برامج التمويل والاستثمار العقاري، واعتادت هذه الشركات والمؤسسات على أن تستثمر معرض «ريستاتكس» في تحديد بوصلة عملها، التي ستتبعها في التعامل مع السوق العقاري خلال الفترة المقبلة.

وتسود حالة من الاستبشار، في أوساط شركات التطوير العقاري الكبرى، التي تأمل أن تحقق كافة تطلعاتها وبرامجها، من خلال حزمة من المشروعات النوعية التي تخطط لها حالياً في مناطق المملكة المختلفة، ومن مقدمتها العاصمة «الرياض»، وتقر هذه الشركات أن إنجازاتها خلال الفترة الماضية، لا تترجم كافة أحلامها، حيث شهدت بعض الشركات ركوداً في مبيعاتها، وشهد البعض الآخر تراجعاً في الأرباح، فيما اكتفى البعض الآخر بتنفيذ مشروعات أقل مما هو مجدول في أجندة عملها. وتؤكد هذه الشركات أن المشهد العام، يمهد الطريق لمرحلة جديدة، ينتعش فيها القطاع العقاري، وتتكاتف كل الجهات ذات الصلة ببعضها البعض، وفي مقدمتها وزارة الإسكان، وصندوق التنمية العقاري، وشركات التطوير العقاري، والمؤسسات المالية الداعمة، لتعمل جميعاً على بلورة صيغة توافقية، تسفر عن تطوير القطاع، والارتقاء بمشروعاته إلى المستويات المأمولة.

وأطلقت وزارة الإسكان عدة مبادرات وبرامج لتحسين القطاع العقاري وتطويره للارتقاء به، وزيادة نسبة العرض لتغطية الطلب على المنتجات العقارية ولتأمين السكن المناسب للمواطنين، مثل برامج سكني، واتحاد الملاك، ووافي، ورسوم الأراضي البيضاء، وإيجار، وشراكات، وفرز الوحدات، والمعهد العقاري السعودي، وغيرها. ويهدف برنامج «إيجار» إلى تطوير قطاع الإيجار العقاري، وتحقيق التوازن فيه، وحفظ حقوق جميع أطراف العملية التأجيرية «الوسيط العقاري، والمستأجر، والمؤجر»، وتقليص النزاعات المتعلقة بقطاع الإيجار العقاري في المملكة.

ويرشح المحللون الرياض بأن تشهد نمواً كبيراً في السوق العقاري نتيجة الحركة التجارية في المدينة، ونظراً للنمو المطرد الذي تشهده العاصمة، مما دعا العديد من الشركات الإقليمية للمشاركة في جملة المشروعات العقارية الجديدة إلى جانب الشركات العالمية، التي تتخذ من مدينة الرياض مقراً لها، وأصبح شمال الرياض اليوم موقعاً جذاباً للكثير من المستثمرين العقاريين في الفترة الماضية، خاصة في ظل التنافس الذي يحوم حول جذب أكبر عدد من المستثمرين.

ووضع المخطط الاستراتيجي الشامل لمدينة الرياض عدداً من الأهداف العامة والسياسات للنهوض بقطاع الإسكان وتهيئته لاستيعاب احتياجات مدينة الرياض المستقبلية، إذ تقدر حاجة المدينة من الإسكان إلى أكثر من نصف مليون وحدة سكنية، الأمر الذي يحقق للقطاع الخاص قدراً كبيراً من الفرص الاستثمارية المتمثلة في البناء والتشييد وإيجاد المواد الأساسية اللازمة من جهة والفرص الاستثمارية المرافقة لعملية البناء والتشييد من جهة ثانية مثل الخدمات الصحية والتعليمية والمعيشية.

ويعتبر النمو السكاني أحد وأهم العوامل التي تؤثر في السوق العقاري في أي مدينة، وتعد الرياض واحدة من أسرع مدن العالم نمواً، بما في ذلك النمو السكاني الذي شهد قفزات متوالية عبر السنوات العشر الأخيرة، وذلك بمعدل 4.2 في المائة، خلال الفترة 1417هـ - 1425هـ. وكشفت الهيئة العامة للإحصاء أن عدد سكان منطقة الرياض بلغ وفق المسح الديموغرافي في 2016م 8.002.100 نسمة. وأوضحت الهيئة أن عدد السعوديين بالمنطقة بلغ 4.579.570 فيما بلغ عدد غير السعوديين 3.422.530.

وتغذي المعدل العالي للسكان في الرياض، ثلاثة روافد مهمة، فهناك الزيادة الطبيعية لسكان المدينة، الناتجة عن الفرق بين عدد المواليد وعدد الوفيات، وحتى هذا العامل شهد معدلات نمو عالية، فتحسن الخدمات الطبية والظروف المعيشية وخفض نسبة الوفيات بين الأطفال تعد من الروافد المهمة في زيادة عدد سكان المدينة كما تؤدي معدلات الهجرة الداخلية (الهجرة من بقية مدن المملكة ومناطقها إلى مدينة الرياض) إلى زيادة هذه النسبة بحثاً عن العمل وعن مقومات الحياة العصرية الأفضل باعتباره المحرك الأساسي لهذه الهجرة ويليها التعليم كمحرك آخر يدفع المواطنين إلى الهجرة إلى مدينة الرياض.

الرافد الثالث من روافد زيادة عدد سكان المدينة يكمن في الهجرة الخارجية، وهي اليد العاملة المستقدمة، فالطفرة الاقتصادية التي شهدتها المدينة، وتعدد المشروعات الإنشائية والتجارية والصناعية، جعل من مدينة الرياض واحدة من أكبر أسواق العمل في المنطقة، فتوافدت إليها اليد العاملة من الدول العربية والدول الإسلامية والدول الآسيوية والدول الغربية، وازدادت معدلات الهجرة في العقد الأخير من القرن المنصرم، والعقد الأول من القرن الحالي.

تم تأسيس هيئة للعقار، باشرت أعمالها منذ فترة ويُنتظر منها الكثير في تعديل أوضاع السوق وتهيئته لتحقيق متطلبات جميع العاملين والمستفيدين من السوق العقاري، وستعمل تلك الهيئة من أجل ضبط السوق العقاري بشكل عام وتقديم الحلول التي تناسبه والمساهمة مع القطاعات الحكومية والقطاع الخاص في إعادة الوهج للسوق العقاري بعيداً عن العشوائية والارتجالية التي سادت لعقود، كما ستعمل على تقديم التسهيلات وربط عناصر السوق العقاري ببعضها البعض، وهي مهمة ليست بالسهلة، ومنها المساهمة في تسهيل الإجراءات والقضاء على البيروقراطية التي تسببت في فترة من الزمن بطرد الاستثمارات المحلية والأجنبية وإبعادها عن السوق وتبدأ برحلة البحث عن دولة أخرى إقليمية أو دولية للاستثمار فيها رغم رغبة الكثيرين الدخول للسوق السعودي لوجود الجاذبية وعناصر النجاح لأي استثمار في المجال العقاري السكني والتجاري والترفيهي والسياحي.

التمويل العقاري

على الجانب الآخر، كان الاستثمار في تطوير المشروعات السكنية هو من أقل الاستثمارات في سوق الرياض رغم حجم الطلب الكبير على الوحدات السكنية بمختلف أنواعها والتي يمكن تطويرها عبر الشركات العقارية. وتطوير المشروعات السكنية الكبرى متكاملة الخدمات يحتاج إلى مصادر تمويل، إما عن طريق البنوك التقليدية وأذرعها المالية، أو عن طريق استثمار الشركات المالية المرخصة والتي بدأ نشاطها يزداد خلال السنوات العشر الماضية.

فيما مضى لم يكن للبنوك أي دور إيجابي في تمويل المشروعات السكنية، واقتصر الأمر على تمويل الأفراد وعلى نطاق ضيق، أما الشركات المالية المرخصة التي نشأت للاستثمار المالي بعيداً عن عمل البنوك التقليدية، فيتوزع نشاطها بين التمويل الفردي وتمويل الشركات والمؤسسات والاستثمار في المشروعات وتأسيس الصناديق العقارية.

وإحجام البنوك عن تمويل المستثمرين والمطورين أدى إلى نتيجتين سلبيتين في السوق العقاري، الأولى تعزيز البناء الفردي لعقود طويلة؛ حيث أصبح كل مواطن يفكر في تطوير وحدته السكنية الخاصة بنفسه، والثانية تعطيل الاستثمار في التطوير الشامل للمشروعات السكنية.