من يتعاطى الشأن الثقافي كتابة وحضوراً لا يستبعد تلك التهويمات النرجسية التي يلجأ إليها بعض المثقفين ومتعاطي شأنه في أي حقل من الحقول، وهي نرجسية تعكس ضعفنا البشري وهشاشة أرواحنا، ضعف يؤكّد بأنّ الواحد مِنّا -وفق ما يعتقده المفكّر علي حرب- هو في الأصل رغبة وهوى وميل؛ حتى عندما يتعلّق الأمر بالمعارف العلمية، ويفسّر ذلك بأنّه لولا شغف المعرفة، لا ننتج معرفة؛ ولذا فإنّ أكثر الناس عقلانية لا يحسن سوى التستّر على رغباته، ويستشهد حرب بمثال صارخ هو الفيلسوف كانط الذي يُعد فيلسوف العقلانية النقدية، والذي عاش من جهة أخرى -كما يُروى عنه- حياة مبرمجة كالساعة، ومع ذلك لا نظنّ أنّه كان مجرّد عقل محض يعيش بلا هوى محرِّك. فذلك هراء ومسخ لكينونة الرجل. ذلك أنّ كانط وقع فريسة هوى رهيب جعله ينصرف عن عشق الأجساد والوجوه والنساء، لكي يتفرّغ إلى عشق النصوص والمفاهيم والمقولات، ولولا ذلك لما أنجب ما أنجبه من الأعمال الخارقة.

في المقابل لا يمكن أيضاً استبعاد نماذج فكرية وثقافية عظيمة نجت من أفخاخ وكمائن النرجسية رغم أنها قدّمت مشاريع فكرية كبرى أحدثت خرقاً ثقافياً لافتاً وحضوراً نقدياً متجاوزاً للكثير ممّن تعاظمت نرجسيتهم وضَؤُل حضورهم، ولا يمكن مقارنته بغيرهم، على سبيل المثال الناقد والمثقف والمفكر الموسوعي الكبير جورج طرابيشي الذي آثر العزلة والتفرّغ للهم الثقافي والإبداعي والفكري المُفارِق للمألوف، أثرى من خلاله الساحة الثقافية بنتاج غاية في العمق والرصانة والأهمية، ومع ذلك فهو في تقديمه لكتابه «العقل المستقيل في الإسلام» مبرراً إنفاقه نحواً من خمسة عشر عاماً في نقد الجابري، استنكف إيراد مفردة «مشروعي» في مقدمته فيقول: «هذا المأخذ صحيح وغير صحيح في آن. فهو صحيح ما دام كل «مشروعي»، ويستدرك قائلاً: لا أحب كثيراً هذه الكلمة المتنرجسة.

إنّ نظرة بانورامية على المشهد الثقافي تعطي تصوّراً قاتماً عنه وتكشف هشاشة مفهومية وفكرية تحتاج وقفة للمثقفين مع أنفسهم تبدأ من اعترافهم بأزمتهم كذوات يفترض أن تكون فاعلة ومؤثرة، لا مجرّد التغنّي بأمجاد وحضور تجاوزهما الزمن، ولعل في جهود المفكر علي حرب ما يعكس هذا المأزق الوجودي للمثقفين العرب عموماً، فهو أن أزمتهم كمثقفين تنبع من جهلهم بواقعهم وإفلاس مشاريعهم في التنوير أو في التغيير؛ باختصار فقدان مصداقيتهم الفكرية وانعدام فاعليتهم المجتمعية.

كلام علي حرب قاسٍ وموجع لكنها قسوة تريد الإصلاح وفصد الدم الفاسد من الجسد المريض، قد نراه مُبرّراً كمشتغلين ومهمومين بالثقافة حين نفاجأ بتلك الذوات المتنرجسة وهي تنتقد بلا وعي في تفاصيل العمل الصحفي، فهذا يعتبر أن العنوان الصحفي كان يفترض كذا فيما آخر يلوم الجميع على الملأ أنك لم تتبّع أخباره وجولاته هنا وهناك، وكأنّ مدار الكون حول شخصه، وآخر يعتقد أن اختلافك مع ما كتب وعدم مناسبته للنشر اعتداء سافر على الإبداع.

هذا ملمح بسيط لبعض الأدواء في جسد هذا المشهد تحتاج وقفات ووقفات.

باختصار: لن يتعافى المشهد -إن كان ثمة مشهد- ما دام الكثير غارق في وهمه ممارساً بصلف نرجسيّة غير مسوّغة.