تتنافس الدول اليوم فيما بينها لبناء مجتمع المعرفة من أجل تعزيز الإمكانات المعرفية والعمل على تطوير المجتمع والاستفادة من معطياته، وقد عرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2003) مجتمع المعرفة بأنه «المجتمع الذي يقوم أساساً بنشر المعرفة، وإنتاجها وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي (الاقتصاد، المجتمع المدني، السياسة والحياة الخاصة) وصولاً لترقية الحالة الإنسانية باطراد، أي إقامة التنمية الإنسانية». ويمكن تحقيق هذا الهدف المنشود من خلال تفعيل ما يعرف باسم (دورة المعرفة) والتي تشمل ثلاث مراحل رئيسية: توليد المعرفة بالبحث والابتكار، نشرها بالتعليم والتعلم، وتوظيفها في إنتاج خدمات ومنتجات جديدة أو مطورة.

ومما لا شك فيه أن للجامعات والقطاع الخاص دورين متكاملين في مجال تفعيل دورة المعرفة، فالجامعات تملك إمكانات توليد المعرفة ونشرها من خلال أبحاث ومبتكرات أعضاء هيئة للتدريس والطلبة والطالبات فيها، ومن خلال برامج التعليم والتدريب والخدمات الاستشارية التي تقدمها، والقطاع الخاص يستفيد من خريجي وخريجات الجامعات وما لديهم من معارف، كما يملك القدرة على توظيف المعارف الجديدة في تقديم خدمات ومنتجات جديدة وقابلة للتسويق ودعم التنمية.

وبالتالي لا بد من رؤية شاملة تصنع من خلالها خطط واضحة المعالم تعمل على وضع الجسور وتهيئة الحركة المناسبة للتواصل والتفاعل الإيجابي بين الطرفين أو بصيغة أخرى وضع إطار عمل للشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص تشمل محاورها الإنسان، والتقنية، والمؤسسات الداعمة لتلك الشراكة.

فالثروة الحقيقية تكمن في قدرة الأفراد الإبداعية، ويمكن القول إن مجتمع المعرفة يعد أرقى مراحل تطور المجتمعات المعاصرة. ويتطلب توليد المعرفة في المجتمعات المعرفية تنمية التفكير بكل أنواعه، لاسيما التفكير الناقد والإبداعي اللذان هما متطلبان أساسيان لنقد المعرفة السابقة وبناء معارف جديدة مما يؤدي إلى أن يكون الأفراد أكثر إبداعاً وتوزاناً وأقدر على التكيف مع التطورات والتغيرات التي تحصل في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

من أجل بناء مجتمع المعرفة الذي يعتبر مطلباً ملحاً للتنمية الشاملة يجب إيجاد البيئة المهنية اللازمة والتي تعمل على تعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص وتشمل التشريعات والأنظمة التي تؤثر على تلك الشراكة وكذلك الممارسة الإدارية التي تحكمها ومن ثم يكون التوسع في إنشاء مراكز البحث والابتكار رافداً مهماً للغاية للانفتاح على منابع المعرفة العالمية وكذلك الاهتمام بالتدريب والتأهيل، فكلها خطوات أساسية في درب استنبات المقومات التي تفجر إمكانية تطوير المعرفة في مجتمعنا.

إن بناء الثقة بين طرفي الشراكة (الجامعات، والقطاع الخاص) غاية في الأهمية فالقصور في «بناء الثقة» بين الجامعات والقطاع الخاص في دولنا العربية أدى في كثير من الأحيان إلى عكس ذلك والاعتماد على الخارج. وبالتالي يتعلق الأمر بابتكار وإعادة إنتاج الوسائل القادرة على بلورة بيئات التمكين والتوطين والتوظيف ومنها ينشأ إنسان مجتمع المعرفة. والمعرفة هي الحرية للعقل وكلما تزود منها أفراد المجتمع اتسع نطاق الحياة أمامهم.

ومن هنا تبرز أهمية التقاطع والتداخل والتفاعل لبلورة وتشكيل شراكة حقيقية وبيئة مهنية بين الجامعات والقطاع الخاص تساعد في بناء مجتمع المعرفة والذي هو الرافد الأساسي لتحقيق التنمية الشاملة.