روسيا وظفت كامل طاقتها السياسية واستخدمت جميع أدواتها الدبلوماسية لتحمي نظام البعث في دمشق بشتى السبل والوسائل لكي لا يقع تحت طائلة العقوبات الدولية أو التنديدات الأممية نتيجة لما يمارسه تجاه شعبه من إبادة جماعية على مدى سبعة أعوام..

روسيا وريثة الفكر الماركسي والثورة البلشفية المطالبة بتحقيق المساواة بين فئات الشعب والمنادية بنصرة العمال والطبقات الكادحة تنقلب على تاريخها وتتناقض مع ماضيها وتتناسى شعاراتها التي رفعتها على مدى عقود عديدة. بقيت روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي قوة عظمى بمكانتها في السياسة الدولية وبترسانتها العسكرية وقدراتها الاستخباراتية والأمنية وبعودة تدريجية لمكانتها الاقتصادية، إلا أنها لم تطور نموذجاً سياسياً جديداً يكفل لها مكانة دولية مميزة ويمنحها نفوذاً عالمياً متفرداً يقوم على قيم ومبادئ روسية المنشأ عالمية الحضور والتأثير.

روسيا التي لم تتمكن من تطوير نموذجها السياسي الخاص بها على مدى العشرين عاماً التي تلت سقوط الشيوعية، دخلت في فلك الأزمات السياسية في منطقة الشرق الأوسط لعل تلك الأزمات تساعدها في رسم نموذج روسي جديد يؤثر في السياسة الدولية ويحقق الأهداف الروسية لتعود روسيا قطباً دولياً منافساً للغرب كما كانت في زمن الحرب الباردة. أهداف مشروعة ولكنها تحتاج لحسابات دقيقة خاصة عندما يتعلق الأمر بسياسات الشرق الأوسط المركب والمعقد بتفاصيله السياسية ومكوناته الشعبية وتوجهاته الفكرية.

دخلت روسيا في سورية لتعيد بناء شيء من أمجادها في السياسة الدولية، فكلفها ذلك صورتها واستنزف تاريخها وسيؤثر سلباً على صورتها المستقبلية لدى الرأي العام على أقل تقدير. تدخلت روسيا في سورية لتقف مع المجرم وضد الضحية. تدخلت روسيا في سورية لتدعم القاتل وتلوم المقتول. تدخلت روسيا في سورية لتبرر الإبادة الجماعية وتناصر من يقوم بها وتتهم الضحايا وتنتقد من يقف معهم. تدخلت روسيا في سورية لتحمي من يستخدم الأسلحة الكيماوية والمحرمة دولياً وتدعمه سياسياً في المنظمات والمناسبات الدولية وتتخلى عن حماية الأبرياء والعزل من الأطفال والنساء والشيوخ وتطالبهم بالصمت والإذعان.

روسيا وممارساتها السياسية في الأزمة السورية لا يمكن أن تفهم سياسياً أو تبرر دبلوماسياً أو توصف فكرياً. فروسيا الدولة العظمى وظفت كامل طاقتها السياسية واستخدمت جميع أدواتها الدبلوماسية لتحمي نظام البعث في دمشق بشتى السبل والوسائل لكي لا يقع تحت طائلة العقوبات الدولية أو التنديدات الأممية نتيجة لما يمارسه تجاه شعبه من إبادة جماعية على مدى سبعة أعوام. روسيا قدمت نموذجاً لا يمكن وصفه من خلال استخدامها لحقها القانوني في مجلس الأمن في سبيل حماية نظام الإجرام في دمشق.

فعلى مدى سبعة أعوام استخدمت روسيا حق النقض إحدى عشرة مرة في مجلس الأمن لتعطيل مشروعات قرارات دولية ضد نظام البعث في سورية تهدف لإيقاف الحرب والإبادة الجماعية ضد المدنيين أو تقديم المساعدات أو إقامة مناطق عازلة أو غيرها من أهداف إنسانية وأخلاقية. فمن حق النقض الأول الذي استخدم في 4 أكتوبر 2011م ليعطل مشروعاً دولياً يهدف لفرض عقوبات على نظام بشار الأسد في حال استمر في استخدام العنف ضد المدنيين؛ إلى حق النقض الرابع في 22 مايو 2014م الذي عطل مشروع قرار يقضي بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم حرب؛ إلى حق النقض السابع في 28 فبراير 2017م الذي عطل قراراً يفرض عقوبات دولية على سورية بتهمة اللجوء إلى السلاح الكيميائي؛ إلى حق النقض التاسع في 24 أكتوبر 2017م الذي عطل تمديد، لمدة سنة، مهمة لجنة «تشكلت بالإجماع العام 2015م وتنتهي في نوفمبر 2017م» تحقق من هوية الجهات التي تقف وراء هجمات بالأسلحة الكيميائية في سورية؛ إلى حق النقض الحادي عشر في 10 أبريل 2018م الذي عطل مشروع قرار يطالب بتشكيل لجنة تحقيق جديدة لتحديد المسؤولية عن هجمات بالأسلحة الكيميائية راح ضحيتها المئات من المدنيين في مدينة دوما شرقي دمشق.

وفي مقابل هذه المواقف الروسية السلبية تجاه المشاعر الإنسانية والأخلاق والمبادئ الدينية المنادية بحماية النفس البشرية، تبادر السياسة الروسية في 14 أبريل 2018م بالتقدم بمشروع قرار لمجلس الأمن يهدف لتبرير الهجمات الكيميائية تجاه الشعب السوري ويرى عدم أهمية حماية المدنيين ويندد «بالعدوان على سورية من الولايات المتحدة وحلفائها (بريطانيا وفرنسا) ويطالب بوقفه على الفور ودون تأخير والامتناع عن أي خروقات مستقبلية لميثاق الأمم المتحدة.» إنها مواقف سياسية روسية لا يمكن أن تعود على روسيا بالنفع مهما كانت النتائج المستقبلية على الأرض السورية.

وفي الختام من الممكن القول: إن على روسيا -إذا ما أرادت أن تكون دولة عالمية التأثير السياسي والاقتصادي والفكري- أن تعيد رسم سياساتها وتبنيها على أسس علمية مدروسة تقوم على فهم متغيرات الزمان وتتعايش مع الواقع المعاصر. فالتجربة الروسية في سورية القائمة على الاجتهادات الفكرية وتبني المواقف الشخصية أعتقد أنها كلفت وستكلف الدولة الروسية الكثير من سمعتها الدولية ومكانتها العالمية. فهل سيعمل الساسة الروس على تصحيح المسار، أم أن هناك صراعاً فكرياً وأيديولوجياً داخل البيت الروسي بعضاً منه يعيش في زمن الحرب الباردة وقوانينها وبعضاً منه ما زال يبحث عن بديل مختلف عن الغرب؟