كثير من قراءات المستقبل لا ينظر أصحابها إلا عن مستقبل التكنولوجيا. عندما تسأل صديقك كيف ترى المستقبل سيقول لك أتوقع أن المسافة بين الرياض ولندن ستختصر إلى نصف ساعة، وأن مرض السرطان سيصبح من التاريخ وسيتخيل شكل الجوال والطائرة والثلاجة والكهرباء ولن ينسى الفضاء والتخاطب مع أهل النجوم القصية.

سؤالي كيف سيكون العالم أخلاقياً واجتماعياً وإنسانياً بعد ثلاثين أو أربعين سنة. إلى أي مدى ستصل حقوق الإنسان والحريات، وإلى أي مدى ستتغير أخلاق الإنسان العادي، وما هو تأثير الأفكار السائدة اليوم على أرواح الناس وسلوكياتهم بعد ثلاثين سنة مثلاً؟

لكي تعرف المسافة التي يمكن أن يقطعها الإنسان للفراق عن الماضي تأمل في الحياة اليومية في دولة مثل بريطانيا مقابل دولة مثل كوريا الشمالية. بريطانيا تنتسب للقرن الواحد والعشرين وكوريا الشمالية تنتسب إلى الستينيات من القرن الماضي. وإذا كنا في حاجة إلى مسافة أبعد يمكن أن ننظر إلى كندا التي تعيش في القرن الواحد والعشرين وإيران التي تعيش في القرن العاشر الميلادي. لا يقف الفرق بين هذه الدول عند حدود التكنولوجيا أو الاقتصاد. يقع الاختلاف في العمق، سترى اختلافاً جذرياً في الموقف من الحياة نفسها. ثمة تناقض بين هذين الشعبين يكاد لا يبقي على شيء مشترك.

كلا الفريقين يتحرك؟ من هو الذي سيذهب إلى الآخر في النهاية. هل الشعب البريطاني أو جزء منه يطالب أن تكون بلاده مثل كوريا الشمالية أم العكس؟ هل كندا تتجه لتصبح إيران أم أن إيران تتجه لتصبح كندا؟ لا أحد يملك الجواب لكن يمكن القول بناء على قراءة التغيرات الصلبة في الماضي أن عدداً من الإيرانيين يتمنون أن تكون بلادهم مثل كندا وصفر كندي يتمنى أن تكون بلاده مثل إيران. هذه هي الحقيقة بصرف النظر أيهما الصح وأيهما خطأ.

لكي ننظر إلى المستقبل الأخلاقي للدولتين ثمة مؤشر واحد يمكن أن نستفيد منه. كم عدد الهاربين الإيرانيين اللاجئين في كندا، وكم عدد الهاربين الكنديين اللاجئين في إيران؟ كم عدد البريطانيين الفارين من بلدهم، وكم عدد الكوريين الشماليين الفارين من بلدهم؟

سؤالان لا يثيران أي تحدّ للعقل بل يوحيان بالسخرية. جوابهما من البدهيات ولكنهما مؤشران على اتجاهات المستقبل الأخلاقية. ترى ما القيمة الأخلاقية التي تفصل بين هذه الشعوب الأربعة. ما الذي يجعل الكندي لا يفر من بلاده والإيراني يفر في أول فرصة؟ الكندي والبريطاني يستطيعان أن يقولا ما شاء لهم القول، والإيراني والكوري الشمالي يستطيعان أن يقولا ما يجيزه الملا أو منظر الحزب.