إذا كانت الحرب الباردة هي صراع بين أيديولوجيتين عالميتين لأجل الهيمنة، فإن المواجهة اليوم تختلف في المعطيات والأشكال وطبيعة الصراع والتنافس..

أحداث متسارعة ومتوترة تشهدها الساحة الدولية وأبطالها موسكو والغرب حيث كان ملعبها الميداني في سورية وميدانها السياسي في مجلس الأمن. لقنت واشنطن نظام الأسد درساً واضحاً وعقاباً موجعاً رداً على الهجوم الكيميائي في مدينة دوما بالغوطة الشرقية لدمشق. قوبلت الضربات بتأييد دولي. كانت الرسالة من أميركا وحلفائها الفرنسيين والبريطانيين ووصلت لدمشق وحلفائها الروس والإيرانيين. كانت النتيجة تقويض برنامج الأسد الكيميائي وفضح السياسة الروسية للعالم أجمع. الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس حذر في مجلس الأمن من خروج الأمور عن السيطرة ومطالباً بضبط النفس معلناً عودة الحرب الباردة وهو يشير بذلك إلى حال التوتر بين أميركا وروسيا بسبب استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية وبغض الطرف من الروس ناهيك عن تداعيات قضية سكريبال الذي اغتيل في بريطانيا.

في الآونة الأخيرة يتردد مصطلح: حرب باردة جديدة، وكأنه يعيد مشهد الصراع العسكري والأيديولوجي بين الشيوعية (الاتحاد السوفييتي) والرأسمالية (الغرب) منذ الخمسينات وحتى سقوط جدار برلين في أواخر ثمانينات القرن الماضي. بعض الباحثين يرون أنه لا يوجد شبه بين ما حدث في الماضي وما نعيشه الآن لأسباب عديدة سوف نأتي على ذكرها في ثنايا هذا المقال ولذا إذا كانت الحرب الباردة هي صراع بين أيديولوجيتين عالميتين لأجل الهيمنة فإن المواجهة اليوم تختلف في المعطيات والأشكال وطبيعة الصراع والتنافس.

النظام الدولي ومنذ التسعينيات يدور الحديث حول اتجاهاته وطبيعته. تتجدد هذه الاستفهامات حول ما إذا كانت الزعامة في العالم وحيدة أم أنها ثنائية أم متعددة. البعض يرى أن التنافس بين القطبين كان صراعا أيديولوجيا لاقتسام أماكن للنفوذ، أما اليوم فهو تنافس وفق استراتيجيات وقرارات وتعاط مع الخلافات في الساحة الدولية ولذلك طبيعة الصراع اختلفت. منذ العام 2008 بدأت واشنطن تفقد مساحات نفوذ في العالم لمصلحة روسيا منذ الحرب الروسية – الجيورجية أضف إلى فشلها في أفغانستان والعراق لتصل إلى مرحلة الأسوأ في فترة أوباما.

الحقيقة النظام الدولي ومنذ ثلاثة عقود لم يستقر بفعل سياسة المحاور والمشروعات إلا أن الأجواء اليوم بعودة الولايات المتحدة بقوة للساحة في فترة ترمب مع حضور روسي طاغ تثير تساؤلات حول مسار تفاهماتهما وانعكاسه على مخارج الحلول لأزمات العالم.

دومينك مويزي يرى أن اليوم، لم تعد ثمة كتل، ولم يعد ثمة عالم ثنائي القطبية بل تحالفات غير مثالية، وظرفية في أحيان كثيرة، في عالم متعدد القطبية وإن كانت قطبية أميركا العظمى استمرت لفترة دون منافس رغم التكلفة الباهظة للمحافظة عليها. الباحث مايكل كوفمان يرى أن توازن القوى مختلف بين روسيا والغرب وبالتالي هناك غطرسة وتوسع أميركي مقابل أيديولوجيا غير جاذبة لروسيا ما جعل الروس يفرضون إرادتهم على جيرانهم لإبقاء نفوذهم.

هناك خشية من أن يؤدي التوتر والصدام في سورية إلى نشوب حرب عالمية ثالثة بعد أن تجاوز العالم قلق المواجهة في قضية أوكرانيا عندما احتلت موسكو القرم. خضعت الورقتان الأوكرانية والسورية لسياسة التوافقات ما بين البيت الأبيض والكرملين خلال فترة أوباما لكن يبدو أن الأمور تتجه للتعقيد والتشابك في عهد ترمب. الجميع يشعر أن طبول الحرب تقرع الآن. هل يتكرر سيناريو أزمة الصواريخ الروسية في كوبا العام 1962 الذي كاد ان تُدخل العالم في حرب نووية؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين إلى أين تتجه الأمور ومع ذلك هناك من يردد مصطلح الحرب المختلطة وهي خليط من السلام والحرب. البعض يرى أن قدرات روسيا في الحرب الإلكترونية والمعلوماتية أكثر تميزاً من غيرها ما يعني أن الحرب السبيرانية أكثر خطورة وتدميراً. الواضح أن رياحاً سيئة تهب على العالم وهناك تدهور في العلاقات الأميركية الروسية وأن ذلك سيلقي بظلاله على الملفات الشائكة. المواجهة قد تحدث والعالم يترقب الأوضاع ولا مكان لالتقاط الأنفاس في عالم السوشال ميديا.

لا يمكن إعادة كتابة التاريخ في ظل شعبوية ترمب وفوضوية أميركا مقابل سلطوية بوتين واستبداد موسكو، فالمشهد ينجرف إلى ساحة عدم التنبؤ ومملوءة بالشكوك والتساؤلات ويختبئ خلف صور ونسخ أكثر وحشية واندفاعية وانفعالية.