كان لقب مثقف يطلق على من يقرأ الصحف أو يكتب فيها أو من يجيد مهارة الحديث، أو يعرف عواصم العالم.

الثقافة بطبيعة الحال هي ذات مفهوم شمولي، هي فكر أو سلوك قبل أن تكون معارف، هي جسور بين القيم والممارسات، هي تاريخ وحضارة وعلوم وعادات وقوانين. هي ليست القدرة على الحوار الفكري فقط وإنما القدرة على التفاعل الحضاري والاندماج الإنساني.

هذا الاندماج وذلك التفاعل يتضمن إثراء المفاهيم والممارسات والإسهام في البناء المعرفي والمنتج الحضاري.

الثقافة بهذا المفهوم ليس في إطارها مثقف قديم أو مثقف جديد. المثقف هو المثقف، المعنى لا يتغير بتغيير أدوات وتقنيات نقل المعرفة وقنوات الاتصال. إن تغير الأدوات لا يرقى بمستخدمها إلى درجة مثقف، فالمحتوى هو المعيار وليس الوسيلة المستخدمة.

إن الإنترنت والفضائيات ومعارض الكتب واللقاء المباشر بين النخبة والشباب تساهم في إيجاد مساحة للحوار والتثقيف ولكنها لا تعني تخرج مثقفين جدداً. الثقافة عملية ديناميكية حيوية مستمرة ليس فيها نخبة ولا شباب وإنما إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والاتجاهات التي تجعله عضواً فاعلاً فكرياً وعملياً في الحضارة الإنسانية مهما كان عمر هذا الإنسان أو الأدوات والوسائل التي يستخدمها.

المثقف لا يقيم بمعايير الزمن وإنما بمعايير الإثراء الفكري والعلمي والمساهمة في نقل المجتمع إلى أن يكون له حضور فاعل مؤثر في الساحة الثقافية العالمية.

المثقف هو الذي يساهم في بناء الجسور وهدم الجدران العازلة ليس بين الشعوب فقط وإنما بين الماضي والحاضر فلا ينحاز لأحدهما بل ينحاز للإبداع والتجديد وإعمال الفكر واستثمار العقل واحترام اختلاف الآراء وتقبل النقد، والالتزام بالحوار الموضوعي، والتواضع.

الثقافة فكر وعلم وعمل وعادات وتقاليد وأخلاق ومشاركة. الثقافة فكر وليست تقنية، الثقافة شمولية والتعليم تخصص، الثقافة ليست لغة جميلة بل فكر جميل يدفع بالمثقف أن يكون إنساناً يتقبل التنوع الثقافي ويتفهمه ويرفض التصنيف وإقصاء الآخر. الثقافة هي سلوك المجتمع ومنتجاته الفكرية والفنية وإنجازاته وأخلاقه والمثقف لا يكتفي باستيعابها بل يساهم في بناء هذه الثقافة ويقوم بدور قيادي في مستقبلها.