من يقف ليجلو عن عينيه غبش أوهام التمكن من الدنيا، ليدرك أنه سيظل على قارعة طريق عبره قبله البشر ولم يظفروا منه سوى بالفضائل التي بثوها، وأيادي الخير التي منحوها، والعيون التي كفكفوا دمعها، ومنارات الخير التي شيدوها..

ليس بإمكان البشر أن يختاروا موتهم، زمناً وحدثاً ومكاناً.. لكن بإمكانهم أن يختاروا طريقهم في الحياة حتى يتوفاهم الله. وليس بإمكان البشر أن يمدوا في آجالهم، لكن بإمكانهم أن يتلمسوا الأسباب لاتقاء المخاطر والشرور والعواقب الوخيمة. وليس بإمكان البشر أن يقرروا طريقة موتهم، ولكن بإمكانهم أن يلقوا الله وهم متحررون من أردان الدنيا وسقط الأخلاق وعذابات الضمير.

ثمة ظاهرة لا تخفى، بل هي متلازمة الحياة والوجود، وهي جزء من صراع البشرية الطويل بين الخير والشر، بين الترفع والسقوط، بين الارتقاء والتردي. ولذا كانت من أصعب اختبارات الإنسان في هذه الحياة. إنها الصراع والمدافعة بين قيم الحق والعدل والرشد والعفة، وبين متع الدنيا التي يسيل لها لعاب الكثيرين، وبالتأكيد وسائلها من مال وجاه وثراء وحضور ونفوذ قد تكون مغموسة بالظلم والانتهاك.

ليست المسألة طلب الدنيا، ولكن المسألة كيف يمكن لبعض البشر أن تغريهم متع الدنيا العابرة إلى درجة أن يكون المقابل ثمناً فادحاً يطال قيم الخير والحق والعدل والصدق والفضيلة.. ليدعم الظلم ويتجاوز الحق ويقوي الباطل!

لو فتح كتاب الكون والتاريخ أمام أعيننا منذ خلق البشر، فماذا سنرى؟ سترى أن عمر البشرية كلها لا يعد شيئاً أمام عمر الكون وسنين خلقه. فما بالنا بعمر الإنسان ذاته. سنرى أن قرون البشرية لا تتجاوز سطوراً قليلة في كتاب الكون والتاريخ، إما عمر الإنسان ذاته فيكاد يكون هباءة شاردة، وقد لا تبين تلك الهباءة في ذلك السفر الكبير.

هل يستحق هذا العمر القصير والقصير جداً، أن يكون ثمناً لحياة مضطربة بالشر والظلم والتدمير والانهاك؟ كيف يرى الطغاة هذا العالم؟ كيف ينظرون للمآلات؟ كيف تمضي سنوات أعمارهم القصيرة ظلماً وانتهاكاً؟ ومن أجل ماذا؟ ولماذا؟ ولماذا تظل حجباً كثيفة تصرف كثيرين عن تأمل تلك النهايات؟

وقس على ذلك أزلام الطغاة وحجابهم وأدواتهم في القهر والاستبداد والاستيلاء؟ كيف تقر أعينهم بنومة هانئة وهم يدركون أنهم أدوات ظلم وقمع وقهر؟!

أتوقف عند مشاهد الدمار، الذي طال بشراً ومدناً ولم يوفر حجراً أو شجراً. فهل كان ثمن كل هذا أن يظل الطاغية حاكماً للأبد.. وأي أبد هذا؟ أنه ليس سوى شاردة أو هباءة في عمر الزمن والتاريخ!! لكن الثمن الباقي أن التاريخ سيظل يلعنه. والعكس صحيح فمن تركوا خلفهم إنجازاً للبشر ورافعة للخير.. سيظل ذلك التاريخ يشهد لهم بالعطاء والبذل والإنجاز.

من يشهد جلاوزة نظم وأدوات الطغيان يعذبون ويقتلون ويفنون ويدمرون.. والضحايا الكثر لهذا الصراع الأعمى، فهل يجد جواباً، سوى أن ثمة نفوساً وعقولاً وقلوباً لم يشغلها سؤال الحق والإنسان والفضيلة.. بل تكاد تلك المعاني تغيب عن العقول والإفهام!!

أتوقف عند طبقة أخرى، تُدعى مثقفين ومحللين وقارئين.. وتزوير الذاكرة ديدنهم.. وهجاء الخصوم عملتهم، وقلب الحقائق والتظليل أدواتهم.. وكل أولئك الضحايا لا يعنون لهم، سوى حشرات عابرة من مستنقع راكد إلى حتفها بالمبيدات الكيماوية.. وكل قيم الحق والعدل والحرية.. مجرد هوامش للاستعراض لكن في زمن آخر وفي وطن آخر.. ولبشر لا يشبهون بني جلدتهم وأطفالهم!

أهرب من دائرة الألم ومن مشاهدة ذلك الدمار الواسع وبشاعة الواقع.. لسؤال آخر يطال معلقين وكتاب وإعلاميين عن مدى الزيف ومستوى الخطيئة في قولهم ونشاطهم وجريهم المحموم للدفاع عن الباطل، والتمكين للظلم وهدر الكرامة وقمع الآخر.. ومن أجل ماذا؟ أمن أجل عرض من الدنيا قليل!! فهل هذا يبرر السقوط؟!

وفي دائرة المجتمع حدث ولا حرج، فالاجتماع الإنساني يعيث فيه التشوه عندما تضعف النزعة الأخلاقية القيمية، بل الرؤية لمعنى الحياة والمآلات. قضايا وقضايا ترتكب فيها مظالم تطال المال والشريك والبعيد والقريب.. من أجل مكاسب عارضة.. ومن أجل الانتصار للنفس الأمارة بالسوء. كيف والعبور قريب والأجل غالب وقد يكون أقرب إليهم من حبل الوريد.

من يوقظ ضمير الحق والعدل والإنسان والخير في أعماقه.. من يدرك معنى أن تكون رحلته في هذه الحياة خلو من عوالق الظلم والعدوان؟ من يملك الشجاعة ليدين الظلم والظالمين وينتصر للمظلومين.. أو على الأقل ألا يكون ظهيراً للمجرمين.. من يقف ليجلو عن عينيه غبش أوهام التمكن من الدنيا، ليدرك أنه سيظل على قارعة طريق عبره قبله البشر ولم يظفروا منه سوى بالفضائل التي بثوها، وأيادي الخير التي منحوها، والعيون التي كفكفوا دمعها، ومنارات الخير التي شيدوها..