قبل أيام كتبت مقالاً بعنوان "مخصي بضمان العمر الطويل" تحدثت فيه عن تمتع المخصيين بعمر طويل نسبياً مقارنة بمكتملي الرجولة.. وفي ذلك المقال تحدثت عن "أغوات الحرم" واستعمال المخصيين في قصور الحريم لدى العباسيين والبيزنطيين والعثمانيين.. وفي اليوم التالي من نشر المقال وصلتني رسالة يقول فيها أحد القراء "ولاحظ يا أخ فهد أنك تكتب لعموم القراء في المملكة، وحين تتحدث عن أغوات الحرم قد لا يفهم كلامك إلاّ واحد حجازي أو واحد من سكان المدينة.."!

ورغم حساسيتي تجاه المصطلحات التي استعملها "فتى بريدة" إلاّ أنني وجدت ما قاله صحيحاً.. بل إنه أوحى إلي بكتابة مقال خاص عن الأغوات وظاهرة الإخصاء عبر التاريخ.

وأشير في البداية إلى أن "الأغوات" رجال أفاضل نذروا أنفسهم لخدمة الحرمين في مكة والمدينة. وكلمة الأغوات تطلق على الخصيان الذين يقومون بوظائف خاصة في الحرمين الشريفين ولهم حاراتهم الخاصة حتى يومنا هذا. ومن الناحية اللغوية تستعمل كلمة (آغا) في اللغة الكردية والتركية والفارسية بمعنى رئيس أو سيد. وفي الدولة العثمانية كانت تطلق على (السيد) كما تطلق على رئيس الخدم أو المشرف على شؤون المنزل. ولعل الحجازيين أخذوا هذه الكلمة من الأتراك واطلقوها على الأغوات ممن قضوا حياتهم في خدمة الحرمين!!

  • ويروى أن معاوية كان أول من استخدم الخصيان لخدمة الكعبة.. ويقال إنهم كانوا عبيداً أرقاء وليسوا خصياناً وان ابنه يزيد هو أول من اتخذ الخصيان (وفي رواية أخرى أن أبا جعفر المنصور هو من فعل ذلك).. أما لماذا اتخذ الخصيان لخدمة الحرمين فلأنهم بلا شهوة تجاه النساء وبالتالي أكثر بعداً عن الملذات واخلاصاً في العمل.. ورغم هذا كان معظم الأغوات يتزوجون من خلال شراء الجواري في الماضي ثم - بعد إلغاء الإماءة - بالزواج من الأرامل والمطلقات.. وعادة ما يقدم الآغا على الزواج (ليس من أجل المتعة الزوجية) بل من أجل خدمته ورعاية شؤونه وغسله عند الوفاة.. وغالباً ما يقول عند كتابة العقد: قد تزوجتها مكحلة بدون مرود (فهي لديها مكحلة أما هو فلديه مرود ولكنه معطل). وغالباً ما يحرصون على الزواج من أمهات الأيتام طمعاً في نيل ثوابهم وتفهماً لحرص الزوجة على وجود الأطفال!

  • والمفارقة هنا أن البيزنطيين والأتراك اعتمدوا أيضاً على الخصيان ولكن لحراسة قصور الحريم (منعاً للفتنة فيما لو وظفوا خدماً مكتملي الرجولة)؛ فقطع خصيتي الطفل قبل سن البلوغ تقطع شهوته عند الكبر وتجعله أمردَ ناعماً غير ميال للنساء. ويجمع الباحثون على أن عادة إخصاء الفتيان لغايات مختلفة (حراسة الحريم، الغناء، التسري..) كانت تقليداً غربياً معروفاً لدى الاغريق والبيزنطيين قبل أن يصبح عربياً أو تركياً.. وأول خليفة اشتهر بتعلقه بالخصيان هو الأمين ابن هارون الرشيد. ويروي عنه المسعودي" أنه قدم الخدم والخصيان وآثرهم ورفع منازلهم حتى إن والدته الأميرة زبيدة أشاعت عادة الغلاميات لاجتذاب ابنها إلى النساء" (والغلاميات فتيات صغيرات يلبسن كالغلمان).

  • وحين فتح الأتراك القسطنطينية اقتبسوا فكرة توظيف الخصيان في قصور الحريم وتوسعوا بها. وكانت مهمتهم مراقبة المحظيات والجواري ومنع قيامهن بما يتنافى مع العفة أو نومهن مع غير السلطان.. ولعل خير دليل على الأصل الأوروبي لهذه العادة هو الأصل اليوناني لكلمة مخصي eunokhos (والتي تعني حرفياً من يحرس مخدع النساء).

والعجيب أن الإخصاء - بمعناه الطبي - ما يزال يستعمل كـ "عقاب" وحائلاً دون تكرار الجريمة.. ففي سبتمبر 1996م تم تعديل قانون الإخصاء في أمريكا بحث يجوز استعمال هرمون البرجيسترون (الانثوي) لحقن المدانين بجرائم جنسية ضد القصار. وفي حالة تكرار الجريمة يجوز إخصاء المجرم أو اللجوء إلى أي إجراء طبي يخفض مستوى التستيرون بجسده!!

.. على أي حال بقي أن أشير إلى أن "أغوات الحرم" بدأوا بالانقراض.. وبدأت حاراتهم بالزوال لسبب بديهي هو.. عدم قدرتهم على الإنجاب + منع الإخصاء منذ فترة طويلة!!