لم أجد دفاعاً واستبصاراً رائعاً لماهية الفن السينمائي، وأهمية دوره، وحاجة الناس له، ولا مُنظّراً عن طبيعة العناصر الفكرية والإبداعية التي تشكّل هذا الفن وتسبر غور المعنى الشعري لفن السينما من أندريه تاركو فسكي عبر كتابه الرائع «النحت في الزمن» الذي ترجمه الشاعر المبدع أمين صالح، وضمّنه الكاتب رؤاه وأفكاره العميقة التي تأتي امتداداً لثراء وروعة العوالم التي طبعها في أفلامه الأخّاذة.

يؤكد تاركو فسكي على أهمية الفن فيعتبره مثل العلم، وسيله لاستيعاب العالم، واسطة لمعرفة العالم، أثناء رحلة الإنسان نحو ما يُسمّى «الحقيقة المطلقة»، ويرى أنه يخاطب كل فرد على أمل أن يخلق انطباعاً، أن يكون محسوساً، أن يسبب صدمة عاطفية، أن يكون مقبولاً، أن يستهوي الناس ليس عن طريق البرهان العقلاني الذي لا جدال فيه، إنما من خلال الطاقة الروحية التي يشحن بها الفنان عمله. ويشدّد فسكي على أن: الفن يولد ويرسخ حيثما يكون هناك توق نهم وأزلي إلى ماهو روحي، إلى المثال: ذلك التوق الذي يجتذب الناس إلى الفن.

وبلهجة يقينية ومندفعة يعتقد تاركو فسكي أنّا كُنّا سنصبح ملائكة منذ زمن طويل لو كانت لدينا القابلية للاهتمام بتجربة الفن، والسماح لأنفسنا بأن نتغيّر وفقاً للمثل العليا التي يعبّر عنها. فالفن -وفق ما يراه- يمتلك القدرة، عبر الصدمة والتطهير، على جعل النفس الإنسانية منفتحة على الخير. ومن السخف الاعتقاد بإمكانية تعليم الناس كيف يكونون أخياراً وصالحين. الفن يستطيع أن يمنح الغذاء -الصدمة- للتجربة النفسية، العقلية.

ويعتبر فسكي أن الاتصال هو الوظيفة الرئيسية للفن نظراً لأن الفهم المشترك يمثل قوة قادرة على توحيد الناس، وروح المشاركة هي واحدة من أكثر المظاهر أهمية في الإبداع الفني، فالفن لغة سامية تساعد الناس على تحقيق الاتصال فيما بينهم، وتفصح عن معلومات بشأن ذواتهم، كما تساعدهم على استيعاب أو تمثُّل تجارب الآخرين.

والسؤال الذي يقفز إلى الذهن حالياً، ونحن ندشّن كسعوديين مرحلة حضارية جديدة مع السينما، هذا الفن الخلاّق الرائع الذي يضعنا أمام أنفسنا، ويتماهى مع خلجاتنا، ويقرأ سايكولوجيتنا، عبر تفاصيلنا الصغيرة المتوارية أسفل السطح، وفي قاع أرواحنا، السؤال: كيف سيتعاطى البعض هذا الفن، وكيف هي علاقتهم مع شاشة العرض وصالة السينما؟ هل هناك من سيشجب؟ من يرى هذا الجمال محجوباً؟

أستل الإجابة من العبقري فسكي ليجيب: الجمال محجوب عن أعْيُن أولئك الذين لا يبحثون عن الحقيقة. لكن الافتقار العميق إلى القيم الروحية عند أولئك الذين يرون الفن فيشجبونه، وواقع إنهم غير راغبين ولا مستعدين لتأمُّل معنى وهدف وجودهم بأي حس جدّي، غالباً ما يكون مستتراً أو متقنّعاً بتلك الصيحة التبسيطية على نحو مبتذل والتي يواجهون بها العمل الفنّي: «أنا لا أُحبِّه» أو «إنّه مُضجِر».