إن المدخل إلى الغناء الفلسطيني في القرن العشرين حاولت دراسته في كتابي "الرماد والموسيقى" 2009 بفصل "موسيقى العمة والطربوش: واصف جوهرية 1897 - 1973" من واقع مذكراته المقسمة بين العهد العثماني والانتداب البريطاني، على اضطرابهما، فإن مدن فلسطين توافرت على تطور في إذاعاتها ومسارحها، وتحولت إلى قبلة فناني الشام والعراق ولبنان ومصر وتونس.

غير أن تطورات اجتماعية - سياسية ستفرض هوية بديلة أقرب إلى الهوية المتوسطية عائدة إلى التكوينات المستحدثة من مستوطني الطوائف اليهودية المزراحية "العراق واليمن" والسفاردية "الأندلس" والأشكنازية "شرق أوروبا"، على رسوخ الطوائف المسيحية الروم الأرثوذوكس والكاثوليك واللاتين وأخرى أقل عدداً.

إن القول بوجود الأغنية الفلسطينية مسألة ملتبسة فقد عانت من هجرتين: المواهب والتراث الثقافي، وتركت ما بعد 1948 ممزقة بين تطور غناء المستوطنين بحسب أصولهم وثقافاتهم المتوسطية مقابل أشتات غناء مقاوم مختل العناصر الفنية في أحداث سياسية متفرقة كما أنها ظلت مشدودة إلى تراث عاصمتي الغناء العربي: حلب والقاهرة في القوالب الغنائية.

إذا عرفنا أنه رحلت أجيال إلى خارج فلسطين نحو الدول العربية، العراق والأردن ولبنان وسوريا، خالد أبو النصر "1911 - 1979"، وسلفادور عرنيطة "1914 - 1985"، وروحي الخماش "1923 - 1998"، ورياض البندك "1924 - 1992"، وجميل العاص "1928 - 2003"، وغازي الشرقاوي "1935 - 1999"، فأسهمت في ارتقاء الأغنية في بلدانها وألبسوا تراثهم الثقافي لهجاتها. كما رفعوا مجد مطربات عربيات مثل، ماري جبران ونور الهدى وسميرة توفيق.

وعلى تمركز حناجر مستوطني اليهود مثل، المقدسي المولد عاشر المزراحي "1890 - 1967" أبو الأغنية التونسية لاحقاً، والكويتيان صالح "1908 - 1986" وداوود "1910 - 1976" أولاد عزرا، واليمنية شوشانة ذماري "1923 - 2006" والمصرية فايزة رشدي - ميريام بونين "1921 - 2003"، والسوري سعيد موزي - موشي إلياهو "1919 - 1994"، والقوقازية يافا ياركوني "1925 - 2012"، فإن هؤلاء وسواهم ظلوا صدى للثقافة العربية، باستثناء ذماري تغني بالعبرية -اليمنية، وشكلوا صلة وصل بين عرب فلسطين وبينهم لمشتركهم الثقافي.

ومن خلال الأقسام العربية في إذاعة وتلفزيون فلسطين المحتلة تواصلوا مع مستمعين عرب، بين الخمسينات والسبعينات، على ثورة الأغنية المزراحية في الثمانينات، بأصوات زوهر أرجوف وزيون غولان وعفراء هزاع فإنه قابلتها الأغنية السياسية الفلسطينية بأثر من اللبنانية عبر فرقتي أغاني العاشقين "أسسها حسين نازك في دمشق 1976" وفرقة صابرين "1982" التي تشكل المغنية كاميليا جبران إحدى عضواتها.

وحدث تحول في اصطلاح الأغنية الفلسطينية بعد العام 1993 بطلته ريم بنا التي غابت هذا العام.