يصعب على الفكر استرجاع مآسي هذا البلد السوري، التي ابتدأت ببعض الأهازيج والدبكات الشامية في الشوارع، مطالبة بنسمة حرية بعد أربعة عقود من حكم أسدي جائر أعمى، داس الشبيحة فيه رقاب الشعب، وأرسى التخلف والعوز في مختلف الزوايا.

وتجذب الثورة كل الأضداد في الإرهاب العالمي، والطامعين من البلدان القريبة والبعيدة، والمتخوفين على حدود بلدانهم من بلبلة احتوت كل العجب.

سبع سنوات من نار وقتل وهدم وتهجير للملايين، وتجمع حلف من 67 دولة انخرطوا في حرب شعواء متعددة النيات والأطماع أحرقت الأخضر واليابس، وقتلت الأطفال والنساء والكبار بأرتال الصواريخ والبراميل المتفجرة، وباستخدام كل المحرمات الإنسانية من غازات أعصاب وسوائل كيميائية، وجربت فيها بعض الأسلحة المستحدثة، وتم التخلص من فاسد المخزون.

أميركا كانت تشارك على استحياء، باعتبار أنها لم تعد متفردة بالقرار، فتراقب عن بعد.. وروسيا العائدة بقوة ظلت تراهن بكل مقدراتها، وكانت إيران مطيتها بشرورها وقدراتها وتسخير مقاتلين خونة من حزب الشيطان يذبحون أهاليهم لخدمة ثورة الملالي، وكانت تركيا ترغب في حماية حدودها من الأكراد، بينما كانت إسرائيل تسعى وتخطط في الخفاء.

المملكة ومن معها من دول الخليج العربي ظلت تبحث عن حق الشعب السوري في وحدة بلدهم وتحديد مصيرهم بعيداً عن بشار، وقد تحركت دولهم دبلوماسياً، وبذلت الكثير مادياً.

أميركا شاركت أخيرًا في طرد داعش، ولكنّ روسيا وحلفاءها احتفلت بالنصر مبكراً، وتعاهدت على إكمال المهمة، مدعية أنها حمائم سلام، رغم أن الموت الزؤام طريقها، والشر وسيلتها واحتلال وتقسيم الأراضي السورية هدفها المستقبلي بوجود بشار.

الأزمة السورية كان من الممكن حلها منذ البدايات لو حافظت أميركا - في عهد أوباما - على مكانتها في الشرق الأوسط، والسياسة الأميركية الحالية لا تحتمل مزيداً من الصراع، خصوصاً وأن الاتحاد الأوروبي لا يحرك ساكناً، في قضايا مصيرية عدة مثل صواريخ كوريا الشمالية، وخطورة اتفاقية مفاعل إيران النووي.

فوضى ما يحدث في سورية لن تتوقف، والمملكة والدول الخليجية الداعمة الأخرى يجب أن تعي أن حكاية إعادة التعمير المتوقعة لن تصب في صالح الشعب السوري، ولا أظن أن الشعب سيستفيد منها إلا بمستقبل حياة مشتتة متوقعة، يعود فيها الإرهاب مجدداً، وتستمر الأرض السورية لوحة شطرنج مفتوحة لا ينتهي اللعب فوقها، بين جهات تتعاظم أطماعها، وجهات تلعب في الخفاء، وجهات تفقد ظلها.