كانت أول مناوبة لي كاستشاري جراحة منذ عودتي من البعثة، ورغم أن نظام المناوبات وتحمل المسؤولية ليس بالأمر الجديد عليّ، فقد قضيت عقداً من الزمن أتدرب على هذا، إلا أن هذه المرة مختلفة تماماً، ففي السابق كنت آخذ المناوبة بقلب مطمئن، فهنالك استشاري أرجع له، وآخذ الموافقة على قراراتي وخططي العلاجية حسب ما أواجهه من حالات، ولكن في هذه المرة أنا من يرجع له الاختصاصيون والمقيمون لأخذ الموافقة النهائية على الخطة الجراحية، حيث أصبحت حياة الناس ومصيرهم أنا من يحددها في تلك اللحظة... يا له من شعور، مزيج من الخوف والرهبة والرغبة في الانطلاق لأثبت للمريض وأهله ولنفسي وأهلي وإدارة المستشفى أني قادر على تحمل المسؤولية، وأني ذلك الطبيب المتمكن من علمه، وفيما أنا كذلك أغوص في كل تلك الأفكار وإذا بجهاز النداء يقطع على أفكاري منبهاً إياي أن هناك من يطلبني، رفعت السماعة وطلبت الرقم المتصل بي، إنه الطبيب المناوب يخبرني بوجود مريضة في منتصف العشرينيات من عمرها، تشكوا من ألم في بطنها، وأنه شخصها على أنها التهاب في المسالك البولية، ولكنه يشك في أنها التهاب الزائدة الدودية ......(إلى الآن الأمر عادي .... أليس كذلك .... هذا ما دار في خلدي لحظتها)، ولكن زاد وقال إنها حامل في شهرها السابع، وهنا قلت لنفسي ما هذا التحدي، فبدل من أن أهتم بحياة واحدة علي الآن أن أهتم باثنتين!!

نزلت للطوارئ لمعاينة المريضة والتي حكت لي قصتها، فقد شعرت قبل ثلاثة أيام بألم بدأ حول السرة ثم تحرك باتجاه الجهة اليمنى من بطنها قريباً من ضلوعها حيث تحول لألم متواصل ومحدد، يسوء بالحركة، والتنفس العميق، والكحة، والعطس، والمشي أو لمس مكان الألم، مصاحباً بالغثيان، عقبته حمى منخفضة مع إمساك وعدم القدرة على إخراج الغازات، وعند فحصي لها وجدت أنها تتألم عند الضغط في الربع البطني العلوي الأيمن، وجدت صعوبة بتشخيصها على أنها التهاب بالزائدة الدودية اعتماداً على الفحص السريري وحده، والسبب في ذلك هو في تغير مكان الزائدة الدودية بسبب تغير حجم الرحم، وكذلك بسبب شيوع التهاب المسالك البولية أثناء الحمل مما يزيد من صعوبة الجزم بالتهاب الزائدة الدودية على أنه السبب الرئيس لشكوى المريضة، وكان أمامي احتمالان إما التهاب الزائدة الدودية أو التهاب بالمرارة، فطلبت لها تحليل دم وبول وأشعة موجات صوتية (سونار) والتي أكددت وجود التهاب بالزائدة الدودية.

تحتاج حوالي 3 % من النساء الحوامل إلى تدخل جراحي لحالات طارئة ليس لها علاقة بالحمل خلال فترة ما من الحمل، فهو أمر ليس بالنادر فهناك آلاف النساء اللواتي يخضعن سنوياً لعمليات جراحية خلال فترة الحمل، ومثال ذلك هذه الحالة -التهاب الزائدة الدودية - والتي تحصل بمعدل حالة لكل 2500 حمل والتهاب المرارة والمسالك البولية، والذين قد يتشابهوا في الأعراض والعلامات الجسدية أثناء الحمل، وذلك كما أسلفت بسبب تحرك الزائدة الدودية من مكانها مع بقية الأمعاء والتي يدفعها كبر حجم الرحم للأعلى مما يجعل الزائدة قريبة جداً من المرارة والكلية اليمنى في الجزء العلوي من البطن الأيمن بدل من الجزء السفلي الأيمن منه، مما يؤخر التشخيص الصحيح في بعض الأحيان مؤدياً لمضاعفات غير مرغوب فيها، ولكن العلاج يختلف في حالة الزائدة الدودية والذي يتطلب إجراء عملية استئصال الزائدة عنه في حالة التهاب المرارة والمسالك البولية، والتي يمكن معالجة المريضة بالراحة والمضادات الحيوية والمسكنات والمحاليل الوريدية.

عدت لأتحدث مع المريضة وزوجها عن خطتي العلاجية، لمست في مريضتي هذه وزوجها شعوراً بالقلق إزاء التدخل الطبي الذي سأجريه لها أثناء فترة الحمل، وهي الخضوع لعملية استئصال الزائدة الدودية وإجراءات التخدير الطبية، خوفاً من أن تكون غير آمنة، كانت هناك أسئلة كثيرة أبداها الاثنان (المريضة وزوجها) تتمركز حول أمان التخدير ومضاعفات العملية على كل من الأم وإكمال الحمل وسلامة الجنين حالها حال الكثير من النساء الحوامل اللاتي يرغبن في إتمام حملهن على خير وسلامة.

تصل نسبة النساء الحوامل اللاتي يحتجنّ لعمليات جراحية 2 % أي أن كل 75 ألف امرأة حامل تحتاج لعملية جراحية كل سنة حسب الإحصائيات الأميركية، لا يندرج تحت قائمة هذه الإحصائيات عمليات التوليد؛ بل تتضمن عمليات كجراحة الأسنان واستئصال المبايض والزائدة الدودية وعمليات غيرها أخرى كثيرة، فالحمل حالة خاصة تحتاج إلى رعاية ذات مواصفات معينة، حيث إن الأطباء يتعاملون مع ثلاثة معطيات مرتبطة مع بعضها وهي -1 صحة الحامل -2 تفاعلات الحمل نفسه -3 صحة الجنين. وكل هذه التركيبة الثلاثية تمر بمرحلتين مهمتين: الأولى هي مدة الحمل، والثانية آلية انتهاء الحمل (إجهاض أو ولادة أما ولادة حيّة أو ولادة ميّتة). يهتم طبيب التخدير لدى إجراء عملية جراحية للمرأة الحامل بأربعة أمور رئيسة، وهي: الاستجابات الفيزيائية لأعضاء الجهاز التنفسي، وجهاز القلب والأوعية الدموية والجهاز الهضمي، وأخيراً الجهاز العصبي المركزي، لكن وقبل كل شيء يجب المحافظة على تدفق الأكسجين والدم لدى كل من الجنين وأمه من أجل إتمام العملية الجراحية بنجاح.

يكون التعامل مع الحالات جراحياً تبعاً لطبيعتها، هل هي طارئة أم غير طارئة، وهل الطارئة جراء الحمل أم ليس من جرائه. كلما كان التدخل الجراحي مبكراً في الحمل كلما زادت خطورة تثبيت الحمل (في الثلث الأول من الحمل)، وتقل الخطورة كلما تقدم الحمل خصوصاً في الثلث الثالث من عمر الحمل، وهذا ما يفسح المجال أمام تأخير التدخل الجراحي لبعض الحالات التي تحتمل التأجيل، فعلى هذا الأساس تخضع آلاف الحوامل لعمليات جراحية أثناء الحمل دون أي مشكلات أو مضاعفات بهدف إنقاذ حياة الأم وجنينها. يضع كل من الجراحين والمخدرين والكادر المساعد والمشرفين على الحمل عدة أمور نصب أعينهم عند التعامل مع الحالات الجراحية لدى المرأة الحامل تشمل: المدة الزمنية لإجراء العملية، ونوعية وكمية المخدّر، وسرعة الإفاقة من المخدّر، التعامل مع كل الأفعال الحيوية للجنين، العمل على منع حصول أي مضاعفات، متابعة وضع الحامل ووضعية الحمل ووضعية الجنين ولحين الولادة، فالولادة المبكرة أحد أكبر المخاوف التي يواجهها أطباء التخدير وأثناء إجراء العمليات الجراحية للمرأة الحامل؛ لذلك ينصحها الأطباء دوماً بتأجيل موعد العملية الجراحية التي تريد إجراءها إلى الثلث الثاني أو الثالث من حملها، ويفضل أن تكون في الثلث الثالث "أي في الثلاث الأشهر الأخيرة من الحمل" ما لم يكن الإجراء الجراحي إجراءً طارئاً لابد منه لإنقاذ الاثنين كما في حالة مريضتي هذه.

لقد أظهرت دراسة أجريت العام 2011 أن النساء الحوامل ليسوا عرضة لتطور أي إصابات أو مضاعفات أخرى بعد إجراء استئصال المرارة والزائدة مقارنة بالنساء غير الحوامل، وذكر الباحثون أن إجراء العملية في فترة الحمل ضروري لأنها لا تحسن فقط من صحة المرأة، بل وتحسن من الحمل أيضاً. جمع الباحثون معلومات حول 1,300 امرأة حامل وأكثر من 51,000 امرأة في نفس العمر تقريباً من خلال أكثر من 800 امرأة حامل أجرت استئصال للزائدة، 4 من كل 100 امرأة أصيبوا بمضاعفات خلال شهر من إجراء العملية متضمنة العدوى والانسداد والموت والنوبات القلبية أو الرجوع إلى غرفة العمليات، ومن بين 19,000 امرأة غير حامل قامت باستئصال الزائدة 3 من كل 100 امرأة أصيبت بمثل هذه المضاعفات، ومن بين كل 100 امرأة امرأتان أصيبتا بمضاعفات ما بعد استئصال المرارة، وكان المعدل متساوياً بين النساء الحوامل أو غيرهن، وخلص الباحثون إلى أنه إذا أصيبت المرأة بالتهاب في الزائدة أثناء الحمل فلا يوجد خطر عند إزالتها ويفضل عدم التأجيل بسبب الحمل.

وبعد أن أجبت على ما كان يدور في خلد مريضتي وزوجها، قمت بالتنسيق مع أطباء النساء والولادة لمتابعة الجنين أثناء وبعد العملية، ثم أجريت لها العملية، وبعدها قامت بالسلامة، ولم يحدث لهما أي مكروه، بل ورزقها الله مولوداً وسيماً خرج من بطن أمه في الوقت المحدد ولله الحمد والمنّة.

الولادة المبكرة أحد أكبر المخاوف التي يواجهها الأطباء