لكل حرب آلاتها وأوزارها الفظيعة، إلا أن أعظم أسلحة ترسانتها معرفة العدو!

ولهذا فإن أميركا حينما شاءت احتلال اليابان، كانت تدرك أنه يتحتم عليها أن تعرف من هم اليابانيون، لتصل إلى مرادها، ولهذا لم تجد خيراً من علماء الإنثروبولوجيا أو علم الإنسان ليكونوا ضمن قواتها في حربها تلك.

فوقع اختيار المخابرات على (روث بنديكت) لتسبر أغوار الثقافة اليابانية، وتقدم إحدى أهم وثائق الحرب، وهو كتاب معنون بـ: «الإقحوان والسيف: أنماط من الثقافة اليابانية»، وبه ذكرت أن التباين بين الثقافتين اليابانية والأميركية، أن الأولى تتسيدها ثقافة الخجل، بينما في أميركا (الذنب) هو المكون الرئيس للمشهد الأخلاقي والثقافي.

لكن ما هي الثقافة؛ تلك السديم المنتشر الغاش للناس الكاشف لسماتهم وخصائصهم، فالتعريف الأفضل بنظري هو تعريف العالم E.BTylor الذي يصفها بأنها: «ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث كونه عضواً في المجتمع».

وثقافة الذنب - البراءة تجلت في المجتمعات الغربية بفعل رئيس للمسيحية والاقتصاد، وارتكزت على نزعة المجتمع إلى الفردية.

فمن فرض عقوبة الإعدام التي أحدثت هزة في منظومة القانون الأوروبي، حيث أدرك الناس أن أقاربهم لم يعودوا مسؤولين عن حمايتهم والدفاع عن ممتلكاتهم، إنما القانون هو المسؤول عن ضبط الأمن وفرض العقوبات.

كذلك اجتياح الموت الأسود أو الطاعون أدى إلى نقص هائل في القوى العاملة مما أثر اقتصادياً في تغير المستوى الطبقي للمجتمع، حيث إن العمل في الأراضي لم يعد مقيداً بملاكها أو بأفراد تربطهم صلة قربى، كما كان في السابق عملاً أسرياً أو إقطاعياً، إلى جانب اتساع رقعة السوق والتغييرات الاقتصادية الأخرى التي جعلت من الفرد بدلاً من المجموعة هو العنصر التنظيمي للاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.

أيضاً تحوّل معظم سكان شمال غرب أوروبا إلى مذهب البروتستانتية الذي يدعو إلى علاقة الفرد مع الله، وأن الإيمان يجب أن يكون باطناً، وأن السلوك الإنساني يجب أن ينتظم بالضمير بشكل أساسي، على أن تكون العبادات العامة أقل حضوراً والتزاماً، ولهذا فإن المسيحي لم يعد يتكئ بأخطائه على غفران الكاهن من خلال الاعتراف بالخطأ الذي لم يعد مجدياً للخلاص من الذنب.

كما أن حادثة الهولوكوست، اغتيال الرئيس كيندي، والعنصرية، وكذلك إبادة الهنود أو السكان الأصليين شكلت أحداثاً درامية رسخت من سيادة الذنب في المجتمعات الغربية.

فالسؤال الرئيس الذي تنتظم به حياة الفرد في هذا النوع من المجتمعات: هل تصرفي هذا سليم أم لا؟!

حيث إن اعتماد الشعور الداخلي بالإثم هو الموجه للسلوك، وهذا يعني أن المنشأ داخلي، بعكس ثقافة الخجل التي تأتي من مصدر خارجي.

ولأن مثل هذه المنظومة الاجتماعية يحكمها الضمير الفردي فإن قيمتي العقاب والغفران يجري بواسطتهما استعادة واستقرار النظام الأخلاقي.