نشط في الثقافة العربية، على مستوى البرامج والمسلسلات الإذاعية، استيحاء موضوعات من عصور الحضارة العربية الإسلامية، ومن أبرزها ما أنجزه الملحن توفيق الباشا بين 1962 - 1977، وهي: "ليالي الأصفهاني في كتاب الأغاني"، "مجالس الطرب عند العرب"، "ليالي شهرزاد"، "بدائع النغم"، "عباقرة الغناء عند العرب"، "أشعب والكندي"، "جحا"، وقد اختيرت نصوص شعرية وضع ألحانها ووزعها الباشا، لكل من الحناجر اللبنانية الكبيرة: نور الهدى وسعاد محمد ونازك ومحمد غازي وحسن عبدالنبي ووديع الصافي.

غير أن معظم الألحان ارتهنت إلى قوالب التراث الثقافي المعنوي، سواء في الموشحات السورية أو القصائد المصرية، وهي لا تتجاوز قدماً في صياغتها وضروبها حتى القرن السادس عشر.

ولعل ما يهم هنا ظهور تجربتين، من ألمانيا "فرقة سارباند" وإسبانيا "فرقة ابن باجة"، اتجهتا إلى التراث الثقافي المتوسطي في القرون الوسطى، بكل ما أنتج ضمن الحضارة الأندلسية، في شبه الجزيرة الإيبرية، بتكوينها المتعدد على المستوى العرقي "الإيبري والسلت والباسك والأمازيغ والعرب واليمن" والديني "المسيحية واليهودية والإسلامية"، فقد استوعبت بين القرن الثامن والخامس عشر الميلاديين تركيباً ثقافياً معقداً بعناصره الاجتماعية شبيه ذلك التركيب الثقافي في بلاد ما بين النهرين حيث تخالطت شعوب سامية "آكادية. آشورية. آرامية" وطورانية "سومرية. كردية. تركية" وهندوأوروبية "يونانية. رومانية.أرمنية" ما بين الألف الثالثة والقرن الخامس قبل الميلاد.

فقد أسس الألماني فلاديمير إيفانوف فريق سارباند "1986"، وأصدر 25 قرصاً رقمياً، وأشرك معه المطربة الكبيرة فاديا الحاج في أداء القصائد والموشحات والأزجال والأغاني العربية من القرون الوسيطة، مثل: "من إسبانيا إلى إسبانيا" "1992" - أدت: من حبك -، و"أغاني سفارادية" "1999" - أيها الساقي -، و"حجيج الروح" "2003" - لما بدا يتثنى ويا راعي الظبا -.

وأسس الإسباني إدواردو بانياغوا فريقي: موسيقى قديمة، وابن باجة "1994" لتؤدي كل واحدة تراثها الإسباني "22 قرصاً رقمياً" والعربي "10 أقراص رقمية"، ومنها "نوبة الماية" "1997" و"حديقة الأندلس" "1999"، و"نوبة الاستهلال" "2000"، و"ابن زمرك" "2000"، و"قصائد الحمراء" "2000"، و"مياه قصر الحمراء" "2001"، و"داعي الأندلس" "2002"، و"ولادة وابن زيدون" "2003"، مع فرق مختلطة "7 أقراص رقمية"، وأجملها "ضوء المتوسط" "1998" الذي شارك في"نوبة العشاق"، أي: الجزء العربي منه، المطرب الجميل محمد العربي السرغيني.

وعلى أنها محاولات لاستعادة ما لا يمكن استعادته في زمانه وإنما هي رسالة حضارية مثلتها قيم التسامح والسلام والإيمان.

دورات التاريخ مهما تتقلب ينشد البشر سلامها..