عندما نتحدث عن حضارات متراكبة على مدى التاريخ، ونذكر الأقليات المطحونة فلا بد أن يبرز شرقنا من مشرقه الهندي إلى مغربه الأطلسي مرتقياً إلى بعض أوروبا ونزولاً إلى القرن الإفريقي باعتبارها أكثر المواطن المختلطة ذات الأقليات المسحوقة، بتعاقب الحضارات الطاحنة لها، حيث تجلو كل حضارة منها الحضارة السابقة، وتجعل أهاليها أقليات بعد تجريدهم من كينونتهم، بمحاولة المنتصر لطمس معالم الحضارة القديمة، وتأكيد عظمة وسيطرة حضارته سواء كانت غازية أو حامية أو ثقافية أو عابرة.

تغييب تام للحضارة القديمة بكل الوسائل، لولا أن إيمان بعض من يتبقى من أهلها على شكل أقليات يجعلهم يتشبثون ببعض أراضيهم وماضيهم، ولو على شكل ممارسات سرية تستمر وميضاً من اليقين بأنفسهم، يتأمل بلوغهم يوماً مراحل الوجود الكريم وزوال الظلمة وتحقق العدالة بتكسير قيود الحاضر المهيمن، والتصالح مع صولجان قوانينه وحراساته.

كثير من تلك الأقليات القديمة طُحنت ونثر رمادها مع الزمن، حتى انتهت فعلياً، وتوارت معالمها في التراب، بمدنها وثقافاتها ولغتها ومعالم تقدمها، حتى لم تعد علوم البحث والتنقيب قادرة على فك رموز حضارتها البائدة مثلما حدث للحضارة الفرعونية، التي لم يعد اكتشاف حقيقة روعة أسرارها إلا بعد العثور على (حجر رشيد) خلال حملة نابليون على مصر 1799م، ومن ثم قيام الباحث الفرنسي (شامبليون)، بفك رموز أبجديتها الهيروغليفية 1822م، لتبهر العالم بما كانت قد وصلت إليه من معارف.

حضارات أخرى ظلت غائبة حتى يومنا، تلك التي لم تكن لها لغات مكتوبة، أو ممن تمكن الاستعمار اللاحق لها من طمس أبجدياتها ومعالم حضارتها، ونزع أصولها من أنفس الأجيال المتعاقبة، وحتى وإن عثر على بعض رتوش وجودها البائد، إلا أن ذلك يفتقد للشواهد والأبجديات والأدلة الدامغة مثل حضارة مملكة كندة (الفاو) المدفونة بجنوب الجزيرة العربية.

ويقوم الاستعمار بطمس الثقافة القديمة وتكوين الأقليات باتباعه للآتي:

تغيير الديانات، ومنع الطقوس والشعائر القديمة، طمس وحرق أي مخطوطات أو دلائل عينية، تحريم اللغة القديمة وإحلالها بأبجديات المحتل، تفريق الأقليات وخلطهم مع المحتل ومسخ هوياتهم، حكم الأقليات بقوانين الاحتلال الصارمة وعدم تمكينهم من الترقي أو بلوغ المناصب، فرض الرسوم والضرائب والقيود على الأقليات الرافضة للامتزاج، تذويب العرق بتزاوج أحادي الجانب يضعف قيمة الأقلية وجودياً ويجعلها درجة أدنى.

مئات من الأقليات تعيش في شرقنا، ولم تكن فوضى حروب العراق وسورية، وما فعلته داعش بهم آخر الأحزان، فالمسيطر يظل بسن رمحه يكتب التاريخ، ويحكم الأقليات وينتزعهم من أراضيهم كالنبت الشيطاني، مع أنهم أهل الأوطان الأصليين، وأنهم اكتمال تنوع الحضارات الإنسانية، التي لا يجب طحنها ولا تمييعها، مهما ظن الغازي أن حضارته هي الأجمل والأرحم والأكثر تحضراً.