مؤسسات المجتمع المدني تلعب دوراً مهماً في التوازن الداخلي لأي دولة، فضلاً عن الإنتاجية والتفاعل ضمن منظومة متناغمة تتمثل في الرقابة على الدولة ومساعدتها في خططها وبرامجها في آن واحد، هذا يتسق مع منطلق الحداثة الذي يتبلور من جهود الأفراد الذين يعيشون في داخل المجتمع..

من أجل أن تخلق تناغماً ما بين المجتمعات والحكومات فإن الحل يكمن في الفضاء المدني ومؤسساته، وليس من الحيز السياسي وتنظيماته، لا توجد مبالغة هنا ففي الغرب مثلاً تجد أن مؤسسات المجتمع المدني قنوات للتعبير وامتصاص للطاقات وجسر تواصل، ولها أُطر قانونية وبرامج معينة ضمن آلية محددة، في حين أن بنية مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، على قلتها ومحدودية إنتاجيتها وهشاشتها، لا تعلم ما هويتها وما دورها وما الذي تقوم به وما هي مرجعيتها القانونية.

مؤسسات المجتمع المدني تلعب دوراً مهماً في التوازن الداخلي لأي دولة، فضلاً عن الإنتاجية والتفاعل ضمن منظومة متناغمة تتمثل في الرقابة على الدولة ومساعدتها في خططها وبرامجها في آن واحد، هذا يتسق مع منطلق الحداثة الذي يتبلور من جهود الأفراد الذين يعيشون في داخل المجتمع، ولذا تلمس أن العملية التنموية تأخذ في الاعتبار البعدين العقلاني والأخلاقي في الإنسان من أجل تفجير طاقاته.

مؤسسات المجتمع المدني في عالمنا العربي توفر منبراً للأصوات التي تُغلب مصلحة الوطن، أو هكذا يفترض أن تكون، وتدفع باتجاه محاربة الفساد وحفظ الحقوق، وتماسك الجبهة الداخلية في أوقات الأزمات والحروب، خاصة في وجود مرجعية توفر الإطار التشريعي والقانوني ما يساعد المجتمع المدني للقيام بدوره باستقلالية. هذه المؤسسات دورها محاربة المحسوبيات وتعزيز المساءلة ومكانة القانون ما يمنع ظهور كيانات لها توجهات حزبية أو قبلية أو طائفية، أو أن تستغل من جهات خارجية أو من تيارات لها نشاطات مشبوهة. هناك من يرى أن الأيديولوجيا قد تكون سبباً في تشكيل هذا المناخ ما يحول دون إمكانية إقامة مجتمع مدني في عالم عربي أوتوقراطي، بدليل أن المذهبية والطائفية والعنصرية والقبلية أمراض وعلل استشرت في الجسد العربي، فصار الولاء لتلك الأدوات لا الدولة.

ثمة عوائق أمام بناء مجتمعات مدنية في عالمنا العربي في ظل عدم وجود حماسة لها من قبل الحكومات رغم أن دورها يكمن في عملية الرقابة والتخفيف من العبء على الحكومات من أجل قضايا تهم المجتمع. في الدول الديموقراطية ووفق دساتيرها وكيانها السياسي والاجتماعي، تخلق هذا التناغم الهيكلي المتوازن ما يجعل العلاقة سلسلة ومنتظمة داخل النسيج المجتمعي بكامله.

الرومان والإغريقيون هم أول من ابتدعوا مفهوم هذا المصطلح إلا أن فكرته تطورت في أواخر القرن الثامن عشر حيث طالب فلاسفة التنوير آنذاك بإيجاد كيان مستقل عن الدولة، يُضم المواطنون فيه لخدمة مصالحهم وحاجياتهم.

غير أن من استخلص فكرته وطرحها وانعكست في كتاباته هو المفكر أنطونيو غرامشي، التي نشرها بعد الحرب العالمية الثانية، محدداً أن المجتمع المدني ما هو إلا صورة للكفاح، وأنه نشاط سياسي مستقل عن سلطة الدولة، وسرعان ما لبث أن تحول هذا الشعار إلى أداة فاعلة يستخدمها الناشطون لترشيد وتحجيم السلطوية.

في الغرب، خرجت جماعات تنادي بحماية المصالح العامة، وتحولت قضايا المرأة وحقوق الإنسان والبيئة ومكافحة الفساد والفقر وغيرها من الأولويات التي تدافع عنها تلك الجماعات، وما برحت ترفع هذه الشعارات في كل مناسبة ومنتدى حتى أصبح هذا المصطلح يشمل كل المنظمات والجمعيات الكائنة والمستقلة عن إطار الدولة (النقابات العمالية، نقابات الأطباء والصحفيين والمحامين، الجمعيات الثقافية والدينية والطلابية).

المفهوم نسبي وتأثيره وفق مصلحة هذا الطرف أو ذاك، ولذلك وعندما تطالب نقابة العمال بضمان العمل لأبناء البلد على افتراض أنه مصلحة عامة، فإن الحكومة بفتحها السوق ترى أن التجارة الحرة شرط يجب أن يتحقق؛ لأنه يحقق مصالح البلد العليا، كما أن نقابة الصحفيين في دعوتها لمساحة أكبر في حرية التعبير والإعلام، تقابلها رؤية راجحة في حماية أفراد المجتمع من القذف أو التشهير من دون مسوغ قانوني، وعلى هذا قس.

مؤسسات للمجتمع المدني تفعّل شرائح المجتمع، وهي بمثابة قنوات امتصاص قادرة على تسهيل مهام الدولة بل وتخفيف العبء عنها من خلال قيامها ببعض الوظائف، وبالتالي إيجاد صيغة تعاونية معها كرابطة مدنية ترسخ مبدأ المواطنة وتعزز مبادئ الشفافية.