لا يذكر أحد من زملائه متى كانت آخر مرة شاهدوا فيها وجهه، رجل بملامح كتاب؛ يكاد لا يشيح الكتاب عن وجهه؛ إلا ربما في الأوقات الخاصة..

يرتدي كل صباح غلافاً جديداً، حتى صار اسمه الذي يعرفه به الجميع: «الرجل الذي يقرأ».. «الذي دائماً معه كتاب»!!.

ذات مساء زاره صديق فوجده في غرفة منعزلة عن اجتماع العائلة؛ سأله ما بك؟ فأجابه أنه مشغول بكتاب جديد وراح يحكي له عما يقرأ، نفض الصديق مقعده وغادر؟؟ ياللخيبة.. كان يحسب السؤال عن الكتاب الذي بين يديه؟

ذهبت زوجته إلى قريب تسأل عن الحل مع زوجها «الذي يقرأ»؟ قال لها باختصار إن زوجك يختبئ.. يهرب منكم أو منك تحديداً.. أعادت الغطاء على وجهها، وتمنت لو كان معها كتاب تختبئ خلفه كما يفعل زوجها!.

يقول أحد المتفائلين من أصحاب النصف الممتلئ أن «القراءة تجعلك تضيع في عالم آخر، وتهرب بكل بساطة، وبطريقة شرعية تمامًا، من حياتك المتوترة والإحباطات والملل، بدون الحاجة لفعل أشياء غير قانونية للهروب من الواقع ومن الإحباط».

أتأمل حال الكثيرين ممن يقتنون الكتب لمجرد الهروب من واقعهم، والاختباء خلفها دون أي فائدة تذكر.. قراءة بلا أثر سواء على السلوك أو القدرة على الكتابة.

أشفق على أولئك الذين يكدسون الكتب دون أي إنتاج يذكر.. وأشفق أكثر على الآخرين الذين يكتفون فقط بالقراءة، وكأن الكتابة شأن آخر لا يعنيهم، ففي دراسة للبروفسورة ناتالي فيليبس من جامعة ميشيغان الأميركية لفحص النشاط الدماغي عند قراءة رواية بشكل معمق؛ سجلت ارتفاعاً في نسبة التواصل بين الخلايا العصبية في منطقة الشق المركزي من الدماغ، وهي المنطقة التي تحوي خلايا عصبية مسؤولة عن صنع أو تمثيل الحركة في خيالنا مما يجعلنا قادرين على تنفيذها فيما بعد..

إلى متى تقرأ؟..

ما العدد الذي تقول: إنك عندما ستتجاوزه ستتناول قلماً وتبدأ الكتابة؟

احذر أن تكون الشخص الذي يقرأ ليهرب وليس ليستوعب ثم يكتب.. أو يتأثر في حواراته وفي مستوى تحليله للأمور وفهمها.. يبدو مثيراً للشفقة ذلك الذي يقرأ في كل فن وهو لا يحسن فن التعامل مثلاً.. أو يعجز عن التعبير عن مشاعره.. هي خطوة تحتاج للقليل من الشجاعة لتنثال الحروف وينهمر الفكر.. حيث لا يعقل لآلاف الصفحات ألا تنتج صفحة واحدة تحمل اسمك؟.. وإلا فإن السؤال المشروع: أين تذهب كل تلك الصفحات بعد التهامها!!.