تراجعت أرباح شركات الإسمنت خلال العام المنصرم 2017م حيث انخفضت الأرباح بشكل حاد لأكثر من 50 % وبتحليل نتائج الشركات لاحظنا أن هنالك ثلاثة عوامل رئيسة أثرت بشكل مباشر على أرباح الشركات، العامل الأول هو تراجع حجم المبيعات نتيجة ضعف الطلب الذي تأثر بشكل مباشر من تراجع الإنفاق الحكومي وتأجيل الكثير من المشروعات التي تستهلك مادة الإسمنت وما صاحبها أيضاً من تراجع في القطاع الخاص للسبب ذاته وقُدر حجم تراجع المبيعات خلال العام المنصرم لجميع شركات الإسمنت بما فيها الشركات غير المدرجة في السوق السعودي (تاسي) بحوالي 15 % خلال السنة، أما العامل الثاني الذي تسبب أيضاً في تراجع الأرباح هو انخفاض قيمة مادة الإسمنت في السوق المحلي والتراجع الذي حصل في السعر ناتج عن حدة التنافس بين الشركات نظراً لارتفاع المعروض من مادة الإسمنت أعلى من حاجة السوق فاضطرت معه الشركات إلى التخفيض للمحافظة على حصتها السوقية وهذا تسبب في الضغط على هوامش الربحية للشركات، أما العامل الثالث هو زيادة كلفة الإنتاج وكما هو معلوم فإن شركات الإسمنت لديها تكاليف إنتاج ثابتة لا تستطيع خفضها إلا بزيادة الإنتاج فهنالك علاقة عكسية بين كمية الإنتاج والتكلفة فكلما زادت كمية الإنتاج انخفضت التكلفة والعكس صحيح كلما انخفضت كمية الإنتاج زادت التكلفة وهذا في الحقيقة ناتج عن تكلفة الوقود حيث إن صناعة الإسمنت تعتمد كلياً على الأفران الحرارية التي تصهر المواد الخام لتنتج الكلنكر وهي المادة الرئيسة لإنتاج الإسمنت وهذه الأفران تستهلك كميات كبيرة من الوقود التي ارتفعت أسعاره في العام 2016 ولا تستطيع شركات الإسمنت التحكم في استهلاك الوقود لأن الأفران لا بد أن تعمل بشكل متواصل حتى تحتفظ بالحرارة العالية جداً التي تحتاجها المصانع لصهر المواد الأولية مما حدا بعض الشركات خلال العام المنصرم إلى إيقاف بعض أفرانها لخفض التكاليف ولكن هذا الإجراء لا يمكن تعميمه على بقية الشركات التي لا تستطيع ذلك ربما لأن إيقاف بعض الأفران قد يتسبب في تراجع الإنتاج أقل من الطلب على منتجاتها فلذلك أبقت الأفران تعمل بالرغم من زيادة التكلفة وتأثيرها على هوامش الربحية وما زالت البدائل عن الوقود التقليدي غير مفعلة.

الحكومة حاولت خلال العام الماضي مساعدة الشركات في تجاوز الأزمة فسمحت لها بتصدير الإسمنت مع خفض رسوم التصدير بنسبة 50 % ومع ذلك لم تستفد الشركات من هذه التسهيلات وطالبت بإلغاء الرسوم نهائياً لكي تتمكن المنافسة وخصوصاً أن تكلفة نقل الإسمنت عند التصدير عالية جداً مما قد يرفع الأسعار وفقد الميزة التنافسية، وقد استجابت الحكومة لذلك الطلب لتحفيز عمليات التصدير وصدر القرار بإلغاء الرسوم نهائياً على الرغم من تحمل الدولة كُلفة منح شركات الإسمنت الوقود بأسعار مدعومة ومع ذلك تظهر الأرقام البيانية لشركات الإسمنت في شهر فبراير 2018 أن الشركات لم تستفد من عمليات التصدير بل تراجعت كميات التصدير لمادة الإسمنت إلى حوالي 3 آلاف طن مقابل 64 ألف طن في فبراير العام 2017م أما تصدير مادة الكلنكر فقد ارتفعت إلى حوالي 39 ألف طن في فبراير 2018 ولا يوجد تصدير في الشهر ذاته من العام المنصرم.

مادة الكلنكر ارتفعت إلى حوالي 36 مليون طن في شهر فبراير 2018 وهذا رقم كبير حيث إن الشركات لا تسطيع التوقف عن الإنتاج لكي لا تزيد التكلفة مع بقاء أفران الحرق تعمل بطاقتها الكاملة ولكن ما يميز مادة الكلنكر أن الشركات تستطيع تخزينها في مساحات مفتوحة دون أن تتلف وليست مثل مادة الإسمنت التي لا تنتج إلا عند وجود طلبيات فعلية حيث إن بقاءها مدة طويلة يعرضها للتلف، ومع ذلك يظل الاحتفاظ بكميات كبيرة من مادة الكلنكر مكلفاً على الشركات حيث إنها تحتاج إلى مساحات قد تكون بعيدة عن المصانع ونقلها مرة ثانية إلى خطوط الإنتاج قد تزيد هي الأخرى من التكلفة.

بعد عرض التحديات التي واجهتها شركات الإسمنت خلال العامين المنصرمين حسب الأرقام البيانية فهل تتجه شركات الإسمنت إلى الاستحواذ أو الاندماج مع بعضها من أجل خفض تكاليف الإنتاج أم أن التوسع خيار مطروح لتلبية الطلب خلال السنوات المقبلة ويتم طرح المزيد من الشركات أو زيادة خطوط الإنتاج للشركات القائمة؟

أعتقد بأن الطلب على مادة الإسمنت سوف يزداد خلال السنوات المقبلة مع زيادة الإنفاق الحكومي على المشروعات وكذلك مشروعات الإسكان وزيادة النمو السكاني وحاجتها إلى مزيد من المساكن ومشروع مدينة نيوم والبحر الأحمر كما أن عمليات التصدير للخارج سوف تزداد هي الأخرى مع عودة العلاقات السياسية والاقتصادية مع دولة العراق التي تشهد تطوراً ملحوظاً في الاستقرار السياسي والأمني والذي سوف يساهم في إعادة الإعمار واحتياجها لمواد البناء وعلى رأسها مادة الإسمنت، كذلك قد نشهد انفراجاً في الأزمة اليمنية وإعادة إعمار ما دمرته الحروب وسوف تكون للشركات السعودية النصيب الأكبر في توفير مادة الإسمنت، في المقابل هنالك زيادة في تكاليف إنتاج الإسمنت سوف تزداد سنوياً منها تكلفة الطاقة والتي لم يتم رفعها هذا العام استثنائياً لدعم القطاعات الصناعية كي تحافظ على نموها ولكن هذا الدعم الحكومي لن يستمر طويلاً وسوف يتم رفع الدعم تدريجياً اعتباراً من العام المقبل كما أن المصاريف الإدارية والتسويقية سوف تزداد مع زيادة الرسوم على العمالة الأجنبية وعمليات الإحلال والتي سوف ترفع بند الرواتب، ومن أجل ذلك سوف تبحث شركات الإسمنت عن حلول لخفض التكاليف سواء بالاستعاضة عن الوقود التقليدي المكلف بالبدائل الأخرى أو التوجه إلى الاندماجات التي سوف تخفض كثيراً من التكاليف بشرط الاحتفاظ بخطوط الإنتاج كما هي أو حتى التوسع مستقبلاً لمواجهة الطلب الذي سوف يتنامى خلال السنوات المقبلة.

  • محلل مالي