لم أكن أظن - وهنا كل الظن إثم - بأن تغريدة لا تتجاوز حروفها الـ 200 حرف، ستُحدث كل هذا الجدل واللغط والتموج، ليس على فضاء الوطن وحسب، ولكن على امتداد الوطن العربي.

«المتشددون الجدد، هم شباب عاديون، بلا مظاهر/ ملامح دينية تقليدية.. يسمعون الأغاني ويلعبون البلوت، ويقترفون المعاصي، ولكنهم في قمة التشدد والتزمت والبذاءة حينما يظنون بأنهم يدافعون عن الدين.. هؤلاء هم الأكثر خطراً، لأنهم متشددون من غير عباءة المتدينين المعروفة»، تلك هي التغريدة التي - كما يبدو - لامست قضية حساسة وخطيرة، تُعاني منها كل المجتمعات العربية بمختلف ألوانها ومستوياتها.

هذه الازدواجية التي يُمارسها الشباب العربي، ليست عفوية أو عبثية، ولكنها أصداء لتلك الطرق والمدخلات التي شكّلت وصنعت شخصية الشباب العربي، وهي عادة - أي تلك الطرق والمدخلات - مرتبكة وغير دقيقة. الوطن العربي، من محيطه لخليجه، يجني الآن حصاد ما زرعه من قيم وعادات وسلوكيات في تلك التربة/ العقول الخصبة التي لا تملك القدرة على الفرز والاختيار.

والتشدد، ظاهرة أممية خطرة، تُعاني منها كل المجتمعات والشعوب والأمم، ولعل أخطرها وأكثرها انتشاراً، هو ما يُمكن أن نُطلق عليه بـ «التشدد الإلكتروني»، وهو استخدام هذا الفضاء الواسع الذي لا يمكن التحكم فيه لممارسة التشدد والتزمت والإقصاء. وهنا تكمن خطورة وتأثير وسائل ووسائط وتطبيقات الفضاء الإلكتروني الذي لم يعد مجرد صدى لواقع المجتمع، ولكنه يقود المجتمع الآن.

ولنأخذ موقع التواصل الاجتماعي الشهير «تويتر» والذي يحتفل عشاقه هذه الأيام بمرور 12 عاماً على إطلاقه، مثالاً حياً على هيمنة هذه المنصات الإلكترونية المثيرة.

تويتر الآن، وهو يقود مجموعة إلكترونية خطيرة من الوسائل والوسائط التقنية التي تُمثل الإعلام الجديد بثورته المعلوماتية والتقنية الهائلة كالفيس بوك والكيك والواتس آب، يصنع حالة مجتمعية جديدة وثقافة إنسانية متمردة وقيمة حضارية مثيرة. تويتر الآن، مقياس حساس ومعيار دقيق لواقع المجتمع بأفراده ونخبه وفئاته، بل هو مرآة صادقة وشفافة وصادمة لفكر ومزاج وسلوك الإنسان العربي، هذا المواطن البسيط الذي وجد في تويتر ضالته بل خلاصه بعد عقود طويلة من الإقصاء والتهميش.

ويلعب تويتر دوراً مهماً وخطيراً في تشكيل وصياغة حالة مجتمعية تفاعلية تُشارك فيها كل الأطراف والأطياف المختلفة بحرية وشفافية، إذ لا توجد في تويتر حدود أو ضغوط أو رقابة، بل هو سماء مفتوحة على كل الآراء والأفكار والثقافات، وتلك هي الطبيعة الخطرة لهذه الشبكة الاجتماعية المثيرة.

لقد وجد هؤلاء المتشددون الجدد ضالتهم في تويتر وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، ليمارسوا فيه التشدد والتزمت والبذاءة، ليقفز السؤال القديم الجديد: من الذي سمح لهم بذلك؟.