بقدر أهمية الجدالات الفكرية والثقافية بين كبار مثقفينا العرب وأثرها في توثيق مرحلة مهمة من تاريخنا الأدبي والثقافي إلا أنّ الملاحظ حالة الاستشراس والعنف اللفظي والإقصاء أحياناً بل الإلغاء للطرف الآخر خلال تلك المناقشات، الأمر الذي يضعك أمام مفترق طرق وكذلك مساءلات تتعلق بتلك الهالات الفكرية التي توشحت بها تلك الأسماء، وجعلت كل منا يحمل لها من التقدير والإعجاب ما يضعها في خانة الشخصيات العبقرية والاستثنائية وترى فيها عناصر مُلهِمة.

وبالرغم من مضيّ سنوات عديدة على أشهر تلك المعارك إلا أن المشهد يتكرر بمواقف وأسماء مختلفة لكنّ الشراسة والعنف اللفظي والرمزي سمات لتلك النقاشات، إذ لا يُعقل ولا يستساغ أن تلغي أو تقصي مثقفاً كبيراً ومؤثراً على مستوى عالمنا العربي والإسلامي لمجرد افتراقك معه على نقطة جدلية عبر نقاش أو مناظرة فكرية.

والمشهد الفكري والثقافي حافل بمعارك عديدة استنزفت جهود وطاقات كبيرة بل إنها حفلت بمواقف وشواهد لا تليق بتلك الأسماء على عظمها وأثرها البالغين في الثقافة العربية.

وليس ببعيد عن الذاكرة تلك المعركة الشرسة التي دارت رحاها بين عباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي وما شابها من إسفاف وتسفّل في العبارات والمعاني التي لا تليق بالاسمين، وكذلك معارك أقل حدّة مع الدكتور زكي مبارك وطه حسين والعقاد وغيرهم.

كذلك حوار الشرق والغرب بين حسن حنفي ومحمد عابد الجابري رغم ثرائه الفكري وعمقه الفكري وكذلك هدؤُوه إلا أنه خرج عن سياقة وانتهى بافتراق واختلاف وصل لحد التخوين ما دعا حسن حنفي يكتب ردّاً بعنوان: قصَدْنا الحوارَ فعوقبنا بالتجريح وتصيّد الأخطاء، وجاء في معرض ردّه: «كنت أظن أن هناك مسيحياً واحداً أتى ليكفّر عن أخطاء البشر، ولكن لما كثرت هذه الأخطاء تطلبت أن يكون هناك مسيحيان، الجابري وحنفي! فبقدر ما سعدت بالحوار مع أخ وزميل محاولين سوياً إعطاء نموذج جديد من الحوار بقدر ما أهالني «حق الرد» إلى واقعنا العربي الأليم. يبدو أننا ما زلنا طائفيين، نستعمل أسلوب التخوين والتفكير، يزايد بعضنا على بعض في أمور تستحق توحيد الجهود والتبصر بالأمور، من أجل الوصول إلى الحد الأدنى من الاتفاق الذي فقدناه والمطالبة بالحد الأقصى الذي أصبح ستاراً يخفي العجز والقصور. ما زلنا قبليين متحزبين...إلخ ما جاء في رده».

أما في وقتنا الراهن فليس ببعيد عنا المناوشات المكشوفة بين الفيلسوف المغربي طه عبدالرحمن والمفكر الكبير عبدالله العروي اللذين يتعارضان في المنهج والفكر وبلغ بكل منهما إلى التقليل من قيمة الآخر وربما إلغاؤه فهذا طه عبدالرحمن يقول عن العروي: «بل صار بعضهم- على شدة ضعف زاده من المعرفة العلمية عموماً والمعرفة الإسلامية خصوصاً- يدّعي الوصاية على المسلمين كافة، فيُملي عليهم كيف ينبغي أن يفكروا في دينهم، ونيته المبيتة إنما هي أن يخرجهم من هذا الدين من حيث لا يشعرون». فيما عبدالله العروي يقول: «يقول إنّه يدرّس المنطق في حين أنه يلقّن صناعة المناظرة كما أرسى قواعدها المتكلّمون بهدف قمع الفكر النقدي...».

الحديث والاستشهادات والمواقف يطول سردها لكنها تعكس أنّ ثمة خلل في البنية الذهنية والثقافية تستدعي مساءلتها ومعرفة مآلات هذا العنف الذي يتنافى مع طبيعة الثقافة والفكر وبعدها الكوني والإنساني.