من سمات الدول المتحضرة أنها تعتمد على الفكر والثقافة كمصدر لا ينضب لمكامن قوتها الناعمة، وإذا كان العرب قديماً قد ملكوا ناصية الإبداع وقاموا بأكبر حركة تثقيفية تنويرية في التاريخ، وتركوا للعالم إرثاً ثقافياً لا نزال نتباهى به، وقت أن كانت أمم أخرى ترزح في بوتقة الجهل والتخلف، إلا أننا اليوم نعيش فترة ركود غير مسبوقة، تأتي فيها القراءة في آخر سلم أولوياتنا إلا من رحم ربي، وبات ترتيب المواطن العربي في القراءة والثقافة متدنياً إلى حد كبير بسبب عوامل تحتاج لتفسير ودراسة جادة، عكس المواطن الغربي.

ولأننا هنا في المملكة، نعيش زخم تغيير هائل يشمل كل المحاور والجبهات، نحاول بشكل أو بآخر استعادة رصيدنا الثقافي كأحد روافدنا التاريخية فكرياً بكل تنوعاته، وفنياً بكل تشعباته، يأتي معرض الرياض الدولي للكتاب كما جاء شعاره «الكتاب.. مستقبل التحول» نقطة تعبير فاصلة عما نأمل، فيما نمتلك، ومن خلال منهجية منفتحة تستوعب جميع الآراء والأفكار، كمنصّة إبداعية تعكس قدرتنا على مجاراة عصر التغيير والتحول.. وامتداداً لشعار معرض العام السابق 2017 الذي حمل عنوان «الكتاب.. رؤية وتحول».

وليس من قبيل المصادفة، أن يحظى المعرض بهذا الاهتمام اللائق رسمياً وشعبياً، ولا بهذه الكثافة من الحضور التي تزداد عاماً بعد عام، وتبرز وعياً جماهيرياً ورغبة جارفة في التعرف على ما تنتجه العقول، وبناء جسور تواصل فكرية مع العالم، نحن في أمسّ الحاجة لها.

مستقبل التحول ثقافياً وفكرياً، هو ما يعنينا بالدرجة الأولى، ولعله وإن كان يتماشى مع ظروف المرحلة التي نعيشها، إلا أنه أيضاً يضع أقدامنا على لبنات سلم الوعي، وبناء شراكة فكرية تعيد إلينا التوازن، وفي الوقت نفسه تعكس حقيقة هويتنا الوطنية ومكنون مخزوننا التقليدي بما يمتلكه من رصيد متعدد ومتنوع وثري على هذه الأرض.

الثقافة عبر القراءة والكتاب بالدرجة الأولى، هي رحلة في العقل والوجدان، والثقافة هي جسر التواصل بين الشعوب الحية التي تتجذّر عبر المشاركة والتفاعل.. ولا تنضب بالانغلاق والتقوقع.. وهذه أحد توابع معرض الرياض الدولي، وفعالياته التي تجاوزت 80 فعالية، كإحدى أبرز العلامات الفارقة في الحراك الثقافي في الشرق الأوسط، وباختيار الشقيقة الإمارات كضيف شرف تأكيد آخر على ما يربط شعبينا ومنطقتنا من أواصر حياة وشراكة تعايش ينبغي أن تكون مثالاً يحتذى.

الأهم من وجهة نظري، هو ذلك الحضور الشعبي الطاغي، من كل الشرائح والتيارات والأعمار، إنه يبرز تعطشاً كبيراً للمعرفة، ويبرز وجهاً سعودياً ناصعاً يوازي مجمل التغيير والتحول الذي نشهده نحو الأفضل ونرجوه للمستقبل.. إنه الحضور الشعبي الذي لا يحتاج لتحية بقدر ما يحتاج لتفعيل ويضفي على مشهد التنوير شمساً لا ينطفئ بريقها أبداً.