لعل من أهم أسباب هذه المشكلة أن النظام الآلي المعمول به في كتابات العدل عند إصدار الوكالات، لا يعطي لكاتب العدل حرية إضافة عبارات أو قيود على النص المعتمد في الوكالة، بحيث يمكن للموكل أن ينص في الوكالة على منح وكيله حق الإقرار مثلاً في مسائل محددة لا يتعداها..

فوجئ المدعى عليه في إحدى الدعاوى أن وكيله أقرّ عنه أنه مدين للمدعي بمبلغ سبعة ملايين ريال، في حين أن الدّين الحقيقي لا يتجاوز ثمان مئة ألف ريال! وصدر الحكم على المدعى عليه طبقاً لما أقرّ به وكيله، لأنه قد منحه حقّ الإقرار في الوكالة.

هذا الموقف يدعونا لطرح قضية التوكيل على الإقرار للنقاش، ومدى خطورتها وأهميتها، وهل يمكن لمن احتاج إلى توكيل وكيلٍ أو محامٍ أن يمنحه وكالةً على المرافعة والمدافعة وتمثيله في حضور الجلسات وتقديم المذكرات، ويستثني من ذلك حق الإقرار؟

ما موقف النظام السعودي من هذه القضية؟ وهل المعمول به في المحاكم مطابق للنظام أم مختلف عنه؟

نصت المادة (51) من نظام المرافعات الشرعية على أنه :» إذا لم يحضر الموكل فلا يصح من الوكيل الإقرار بالحق المدعى به، أو التنازل، أو الصلح، أو قبول اليمين، أو توجيهها، أو ردها، أو ترك الخصومة، أو التنازل عن الحكم - كلياً أو جزئياً- أو عن طريقٍ من طرق الطعن فيه، أو رفع الحجر، أو ترك الرهن مع بقاء الدين أو الادعاء بالتزوير أو رد القاضي أو اختيار الخبير أو رده ما لم يكن مفوضاً تفويضاً خاصاً في الوكالة ».

ويفهم من هذه المادة أنها أجازت لكل من المدعي والمدعى عليه أن يوكّلا من يحضر عنهما في الدعوى، دون إلزامهما بمنح هذا الوكيل حقّ الإقرار. وقد أكدت اللائحة التنفيذية هذا الأمر إذ نصت المادة (51/1) منها على أن:« التوكيل بالخصومة يخوّل الوكيل سلطة القيام بالأعمال والإجراءات اللازمة لمتابعة الدعوى والمرافعة والمدافعة والإنكار عدا ما نصت عليه هذه المادة أو استثناه الموكل».

ولئن كان هذا هو صريح النظام ؛ إلا أن المعمول به في المحاكم يختلف تماماً عن ذلك ؛ إذ يرفض غالبية القضاة – إن لم يكن جميعهم – قبول الوكيل أو المحامي للترافع في الدعوى، دون أن يكون منصوصاً في وكالته على حق الإقرار!.

ورفض القضاة هذا يعود إلى مسألةٍ مهمةٍ تتعلق بحقوق الطرف الآخر في الدعوى؛ إذ يعتقد القضاة أن حضور وكيلٍ ليس له حق الإقرار، يعتبر مضيعةً للوقت والجهد، لأنه لا يمكن أن تخلو الدعوى أو الدفوع المتبادلة بين طرفيها من إقراراتٍ كثيرةٍ تؤثر في نظر الدعوى، وإذا كان هذا الوكيل الحاضر ليس له حق الإقرار، فإنه يتعذر على القاضي أن يقبل منه أي إقرارٍ منسوب لموكله، وبهذا لا يصبح في الأجوبة التي يقدمها أي جدوى.

ويعتقد الكثير من الناس أن الإقرار مقتصر فقط على المسألة الأساسية في الدعوى، وهي مثلاً مبلغ المطالبة وثبوته في ذمة المدعى عليه؛ غير أن الحقيقة بخلاف ذلك، فالإقرار يشمل عدة وقائع ومسائل يستلزم نظر الدعوى بحثها.

فمثلاً لو ادعى زيدٌ على عمرو أنه اشترى منه سيارة مرسيدس موديل 2017 بثمن قدره خمسمائة ألف ريال، فسدد منها مائة ألف وبقي في ذمته أربعمائة ألف، وطلب إلزامه بدفعها ؛ فهنا لا يقف الإقرار عند حدّ إقرار أو إنكار وكيل عمرو بثبوت مبلغ 400 ألف في ذمة موكله ؛ بل يشمل كذلك، سبب استحقاق هذا المبلغ، وصفة ثبوت المبلغ في ذمة موكله، وهل كل التفاصيل الواردة في الدعوى صحيحة أم أنه يقرّ ببعضها وينكر بعضاً؟.

إذاً فإن رفض القضاة قبول الوكيل الذي ليس في وكالته حق الإقرار له وجاهته؛ إلا أن النظام قد حسم هذه المسألة، ولم يمنح القاضي فيها أي اجتهاد أو سلطة تقديرية بقبول الوكالة أو رفضها، ومن المعلوم أنه لا اجتهاد مع النص.

كما أن تخوف الناس في هذه الأيام خاصةً من آثار وتبعات منح الوكيل حق الإقرار، له أيضاً ما يبرره، بل هو أكثر وجاهةً وأدعى للاعتبار من اعتبارات القضاء برفض هذه الوكالة، لأن التعاملات اليوم تشعبت، وكثر المحامون والوكلاء، وكل محامٍ لديه عدد من المتدربين قد تنقصهم الخبرة والدراية، ومن الوارد جداً أن يغلط أحد هؤلاء المحامين أو المتدربين أو الوكلاء في الإقرار عن موكله، والقضاء لا يلتفت لرجوع الأصيل عن إقرار وكيله، بل يحكم بإلزامه بمقتضاه، وهذا مكمن الخطر الكبير.

كما أن أطراف الدعاوى قد يكون شركات وأشخاصاً اعتبارية وليسوا مجرد أشخاص طبيعيين، وهذه الشركات يترتب على الحكم عليها ضياع حقوق الشركاء جميعاً.

ولعل من أهم أسباب هذه المشكلة أن النظام الآلي المعمول به في كتابات العدل عند إصدار الوكالات، لا يعطي لكاتب العدل حرية إضافة عبارات أو قيود على النص المعتمد في الوكالة، بحيث يمكن للموكل أن ينص في الوكالة على منح وكيله حق الإقرار مثلاً في مسائل محددة لا يتعداها، أو أن يشترط فيقول (وله حق الإقرار بعد موافقة كتابية مني)، وهذا قد يخفف من آثار هذه المشكلة.

إذاً يتضح لنا وجود معضلة حقيقية، لها آثار قد تكون كارثية على الناس وحقوقهم، تستحق من وزارة العدل التدخل لوضع معايير وحلول عملية لها، تراعي حقوق جميع الأطراف، وتحمي في المقام الأول حق المدعى عليه، لأن الأصل براءة ذمته.