تطور صراع الثمانينات في المملكة بين المثقفين والمتطرفين إلى هزيمة المثقفين. مع إطلالة حقبة التسعينات انسحب كثير من المثقفين من المشهد الثقافي وأغلقوا باب الأمل. شعر الكثير أن كل ما كان يكتب في الملاحق الثقافية مجرد عبث. ذوت الصفحات الثقافية وازدهرت صفحات الشعر الشعبي والصفحات الدينية وزوايا الفتاوى. كان كل شيء ينذر بليل طويل.

حل السحر محل العلم وصارت الرقية أهم من الطب واندمج الجن بالحياة اليومية حتى أصبحوا ضمن تركيبة السكان الرسمية وخرجت المرأة من الحياة وتأكد الجميع أن العالم يتآمر علينا فلم يعد أمامنا سوى الانزواء في عباءات الواعظين. هكذا اتضحت معالم المستقبل لكل من يريد السير في الطريق.

رغم تراكم اليأس كنت على ثقة أن المملكة سوف تعود إلى الحياة السوية. المسألة مسألة وقت طويل وشاق. إزالة الاغتراب الثقافي الذي راكمه المتطرفون يحتاج إلى أجيال. أعماني يأسي عن دروس الماضي. أغفلت أن التاريخ ينتفض على أخطائه إذا توفرت له قيادة تتخذ القرارات. كل منعطف من منعطفاته صنيعه رجل واحد.

زعماء غيروا مصير أوطانهم والعالم. كان الاسكندر المقدوني في الثلاثينيات من عمره عندما أنهى أعظم إمبراطورية معادية لبلاده في زمانه. بعد زوال حكم بني أمية فر عبدالرحمن بن معاوية خاوي اليدين والعدو يطارده. لم يكن حينها قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره. في غضون ست سنوات ظهر في الاندلس وأقام امبراطورية بني أمية التي دامت ثلاث مئة سنة.

فتح الملك عبدالعزيز الرياض في الخامسة والعشرين من عمره ولم يبلغ الخمسين حتى أقام أكبر مملكة عربية في القرن العشرين.

عندما تقرأ تاريخ العظام في كتب التاريخ سترى أن أكبر سلاح انتصروا به كان سلاح الإيمان بالقضية التي سعوا من أجلها. لا نصر بلا إيمان.

عاش المجتمع السعودي ثلاثة عقود على وهم ضخم تغلغل في الوجدان. جرى خلط الدين كقيمة متعالية مع سرد فقهي انعزالي يؤسس للكراهية وانفصام الشخصية الفردية. قرار نزع هذا الفقه أشبه بنزع مادة بلاستيكية التصقت بالحرارة على الجلد. ظن الجميع أن الجلد سوف يتمزق.

القرار الذي اتخذه محمد بن سلمان بمفارقة التطرف وفوراً لم يغير تاريخ المملكة ومستقبلها بل غير تاريخ المنطقة وربما العالم. كان قراراً مفعماً بالشجاعة والبصيرة. أشبه بتحدي قانون الجاذبية. قبل نصف ساعة من اتخاذه لا يتخيل أي إنسان يعيش في المملكة أن أحداً يملك القدرة على اتخاذه. كشف ببصيرته القيادية أن الشعب السعودي لم يكن متطرفاً. كان على يقين من ذلك. لذا لم يأت بالقرارات فقط بل جاء بمشروعاته المتكاملة المعادية للتطرف والعزلة وأعلنها على الفور. هذه هي القيادة بالإيمان.