توافر لتاريخ الغناء العربي تراث متنوع تركته لنا سير المبدعات والمبدعين في حقل الغناء والعزف الآلي والضرب الإيقاعي في كتب التراجم والنوادر والحكايات والنصوص، وحقل التنظير في علوم النغم والإيقاع والأساليب والقوالب.

إذا كان من الممكن الاعتماد على المعثورات الآثارية لكشف التاريخ المبكر، عصر الممالك العربية سواء قبل الميلاد أو بعده، وصلته بالممالك السامية مثل الأكدية والآشورية والبابلية والأوغاريتية والكلدانية، بما تمثل في نتاج الفنون الأدائية والقولية والحركية في المعابد والمسارح، فإنه في عصور الخلافة العربية تحول الأرشيف الحجري إلى ورقي مع تطور إنساني في حقول عدة، حققت فيه الممارسة مدة كافية لإنتاج النظرية.

وقد تبدي استمرار تقاليد فنون الأداء المختلفة في الحجاز ونجد والعراق والشام حتى ظهر الإنتاج النظري للنغم والإيقاع، والأنماط الغنائية، في مؤلفات الكندي "القرن التاسع الميلادي"، وإخوان الصفا "القرن الموالي"، وارتقى ذلك في مؤلفات الفارابي "القرن العاشر الميلادي" وابن سينا "القرن الحادي عشر الميلادي" وتلميذه ابن زيلة "القرن نفسه".

وقد ربط المنظرون حقلهم في علوم الفيزياء والطب إلا أن الأرموي "القرن الثالث عشر" طور في مؤلفاته السلم النغمي في درجاته "الطبيعية" وأبعاده المختلفة الممتزجة بين السلم الطبيعي ونظرية المقامات ذات الأبعاد أو المسافات المتجاوزة والمعمول بها حتى الآن على أن الأول ثابت عند الأمم الأوروبية ناتج عن الأثر الأندلسي حيث انتقلت هذه المدرسة بأساليبها من معلمها إسحاق الموصلي وتلميذه زرياب بينما لم تنتقل سواها فيما درج وصفه بالمقامات الشرقية المشتركة بين العرب والفرس والأتراك.

ولعل سبب الأثر العربي في البعد المشرقي نتج عن تنظيرات الأرموي العملية إذ كرسها شراحه قطب الدين الشيرازي "القرن الرابع عشر الميلادي" فاستمرت لقرون عدة مع المراغي واللاذقاني، ويمكن تسميتها تجاوزاً نظرية الأجناس "مسافات النغم في المقامات".

إذا تبنت الشعوب المسلمة المذكورة مثل إيران وتركيا والهند، فإن النظريات النغمية والإيقاعية العربية انتقلت إلى الثقافة العبرية عبر سعديا الجاؤون "القرن العاشر الميلادي"، وابن عقنين "القرن الثالث عشر الميلادي" كما أنها انتقلت إلى الثقافة الأوروبية، خاصة، نظرية الإيقاع عبر أودو الكلوني "القرن العاشر الميلادي" وجيروم المورافي "القرن الثالث عشر الميلادي".

ومما يمكن إبرازه أن الكلمة هي أصل النغم، ما أنتج تنوعاً، في الأنماط والأشكال والقوالب، تكرست سواء عبر شكلها الشعري: القصيدة والموشح والموال والكان كان والقوما، أو نظام الوصلة في مصطلح: النوبة "غناء مرسل وموقع، وتأليف نغمي وإيقاعي".

وهذا يستدعي الفخار لا عقدة الصغار.