يندر أن تمر في شارع ما، ولا ترى محلاً للحلاقة، أياً كان مستواه، ونوعية عمالته. فتجارة الحلاقة أصبحت مهنة الكسب الأول عند البعض خصوصاً في حالة تطريز وتزيين محله بكافة الديكورات المغرية والصاخبة.

صوالين الحلاقة أصبحت حالة اجتماعية فصار الكثير من الرجال خصوصاً فئات الشباب يرتادونها بشكل مكثف، وصارت تلك الصوالين مرجعاً وملهماً لآخر التقليعات، والموضات، والقصات العجيبة الغريبة، وصار بعض الحلاقين من جنسيات معينة يجدون أنفسهم متفوقين في الحلاقة ولا أحد غيرهم يجاريهم في فنونها.

ويلاحظ إقبال الشباب عليهم بكثافة خصوصاً من هم دون العشرين، وحين يذهب بعضنا إلى تلك الصوالين يجد غرائب ليس لها علاقة بالحلاقة.. حيث تجد أن أولئك الشباب عقدوا صداقات عميقة مع الحلاقين، يتحدثون عن شؤونهم الخاصة والاجتماعية، ويحكون عن همومهم ومشكلاتهم وأحلامهم، ويتحدثون معهم أثناء الحلاقة أو خلال انتظار حلاق بعينه.

لقد تحولت بعض صوالين الحلاقة إلى صوالين حوارات أكثرها حوارات تافهة تدور حول آخر المسلسلات، وتحليل المباريات، ورواية آخر المغامرات الشبابية، والعاطفية، والمشاهدات الفيلمية، بل تعدى الأمر إلى البوح بالأسرار، والمكنونات الخاصة، والمجاهرة بالمغامرات والمعاكسات. والحلاق يسحب ما يستطيع سحبه من هذا الشاب، أو ذاك ويشجعه على فضح نفسه والتعريف بدقائق أموره في حياته وبيته وعلاقاته.

بحضوري دخل أحد الشباب بعد أن أوقف سيارته الفارهة الغالية وأكّد موعده مع الحلاق المعلم حيث يسأله: سيارة حلوة إلك؟ ويجيب الشاب: نعم هذي لي «تو اشتراها الوالد» وكانت بـ«400» ألف، والمعلم يقول: واو كتير حلو.. ويكمل عبارته لو «بصرف راتب شهر ما قدرت استأجرها ولو يوماً.. ولو اشتغلت هنا أربعين سنة ما حصلت قيمتها.. وين بيشتغل أبوك» وبدا يحسب حساباته.. وصارت عيناه تتقلبان في الشاب والسيارة.

جلّ تقديري، وكامل احترامي لكل مهنة ولكل عامل على أرض هذه البلاد إلا أنه ليس من المقبول بتاتاً أن يكون مثل هؤلاء الحلاقين أصدقاء نركن إليهم ونسامرهم ونشاركهم ونشركهم في حاجاتنا وهمومنا ومشكلاتنا.. وليس من العقل أن تتعدى الأحاديث العابرة إلى ثرثرات تافهة وفضائح شخصية. وليس من الجميل أن يكون الحلاق هو سمير الشاب أو جليسه.

ويبقى القول: ليكنّ الشاب الاحترام، وحسن التعامل مع حلاقه، وليحسن الظن، ولكن لا تحكوا خصوصياتكم، ولا تثرثروا كثيراً، ولا تشركوا هؤلاء في شجونكم، وتجعلوا منهم أصدقاء واستعينوا على أموركم وممتلكاتكم بالكتمان، فالقلوب تحمل والعيون تتقد.