في سنة 1959م كان السويسري أرنولد المشرف على ضيافة قصور الملك سعود مرافقاً للملك في الطائف أثناء انتظاره موسم الحج؛ للإشراف على خدمات حجاج بيت الله الحرام كعادته - رحمه الله - كل عام.

كان هواء الطائف المنعش يحرك الدم الراقد بحسب وصف أرنولد، وكان الموسم محفوفاً بالعمل على الدوام ومحركاً للراغبين في الزواج من المقتدرين عليه، كان سائق أرنولد واسمه محمد، قد قدم من المنطقة الغربية متفرغاً معظم الوقت، وكان سعودياً بهي الطلعة داكن السحنة ويستهزئ كثيراً بالاعتقاد الشائع بأن الرجولة مرتبطة بوجود اللحية والشاربين، إذ كان هذا الرجل من القلائل حليقي الذقن والشاربين، ومنيعاً إلى حد كبير إزاء التهكم المتواصل والتحذيرات وعواقب الزواج التي قد تنتج عن حلاقته اليومية. لكن مشكلة محمد هي نفس مشكلة أبناء الجزيرة العربية عموماً، والمجتمع السعودي بالذات الذين عطلوا مبدأ النظرة الشرعية فلا يُمكنون من رؤية زوجاتهم إلا ليلة الدخلة، فينطبق عليهم وصف من يدخل يده في جحر لا يعرف حقيقته إما غنم صيد، أو لدغه ثعبان، وكان الرجل الحريص يعتمد على ما يستمع إليه من وصف لفتاته من الوسيط، وغالباً ما تكون والدته أو إحدى قريباته اللاتي يثق بهن وبذوقهن، وإن كان ذوق المرأة يختلف دائماً عن ذوق الرجل خصوصاً ما يتعلق بالصفات الجسدية ولا تسلم العملية أحياناً من ميول ورغبات الأسرة والأقارب أو حتى المصالح في الاختيار فيغدق عليها المدح والثناء بما ليس فيها، كما حصل في رواية أرنولد الذي يفيدنا أنهم بعد أسبوعين على وصولهما إلى الطائف أعلن محمد عن زواجه الوشيك، قال: لقد سبق أن سددت مقدار المهر الذي طلبه والد العروس، وهو عشرة رؤوس من الغنم، وعشرة أكياس من الأرز، وخمس مئة ريال أرسلها مع بعض أقاربه ليتحدد موعد الزواج بعد غد.

لم ير العروس ولا يعرف شكلها إلا أن وسيط الزواج أكد له أنها جميلة جداً وصغيرة وتردد عليها الكثير من الخطاب الذين كانت ترفضهم، وفي كل الأحوال لن يتمكن من رؤيتها إلا ليلة الزواج الذي سيقيم له حفلاً يدعى له كل أفراد قبيلتها في خيمته قرب المخيم البدوي، وفي الليلة التالية ستأتي العروس إلى خيمته وحدها، فالأمر سهل جداً وجميل أيضاً كما كان يصفه.

في الصباح التالي انطلق محمد في شاحنة مستعارة إلى عروسه ونعيمه إلا أنه عاد بعد يوم وقد تحول إلى مجدّف هائج مستعملاً كل أنواع الشتائم العربية.

مهر العروس عشرة رؤوس غنم وعشرة أكياس أرز وخمس مئة ريال

  • ماذا حدث يا محمد؟

  • لقد خدعت، رفضوا إعطائي عروسي وإقامة الزواج أساساً قالوا لا تزال مداناً لنا بخمسة أكياس أرز، لقد أرسلت إليهم الأكياس العشرة المشروطة لكن يبدو أن أقاربهم الذين تعهدوا بإيصالها سرقوا منها خمسة.

في الصباح التالي استدان واشترى الأكياس الخمسة من سوق "قرية الطائف" وحملها في الشاحنة وانطلق بها مسرعاً من جديد إلى لقائه الزوجي، أقيم الزواج وأكلوا ورقصوا وغنوا وأدخل على عروسته، ولكنه عاد بعد ثلاثة أيام إلى القصر أكثر غضباً وتعاسة من ذي قبل، إنه أمر فظيع "يا ريس" هكذا خاطب محمد رئيسه السويسري: لقد أعطيت أهلها بقيت أكياس الأرز، استضفت رجال أسرتها في حفلة عند خيمتي، أعطيتهم كل ما لدي من مال ثم ليلة عرسي عندما وصلت عروستي وخلعت نقابها وملابسها رأيت فتاة نحيلة قبيحة ومع أنها أتمت سن الخامسة عشرة إلا أنها لم تكن جيدة بتاتاً يا ريس، كانت الليلة كلها فظيعة، طلقتها في الصباح وأرجعتها إلى أهلها.

  • ماذا عن الأرز والأغنام والمال التي قدمتها إلى الأسرة يا محمد؟

  • أصبحت كلها ملكاً لهم شرعاً.. الأمر محبط جداً يا ريس!

لكنه لم يكن محبطاً إلى هذه الدرجة، فقد أعاد محاولاته مرة أخرى فبعد شهر اكتشف أسرة أخرى لديها فتاة في سن الزواج مهرها أكثر من الأولى، كان عبارة عن عشرة أخرى من الرؤوس وهي كل ما يملكه قدمها كعربون مهرها يتبعها عشرون رأساً أخرى، ومعها سبع مئة وخمسون ريالاً في الأشهر القادمة، متى ما استطاع توفيرها.

ظل محمد يسدد مهر عروسته الثانية على مدى أربعة أشهر، وكان الوفد قد عاد للرياض قبل أن يتمكن من تسديد كامل المبلغ، فسافر العريس من الرياض إلى الطائف ليعود بعد أسبوعين، وعندما سأله أرنولد، رد بنبرة عبرت بوضوح عن بهجته "الحمد لله" إنها مثالية كبيرة في السن قليلاً، وتبلغ سن السابعة عشرة من عمرها لكنها تعاملني بشكل جيد وأنا أول أسيادها عرفت الجنة الآن يا ريس، وسوف أتخذ زوجة أخرى متى ما توفر لدي مال يكفي.. الأمر جيد جداً مع واحدة يا ريس فكيف باثنتين، لقد أخذت الإذن منها بالزواج، ووعدتني أنها لن تكدر عيش الثانية، لذا سيكون الأمر مثالياً أكثر.

السويسري هوسيه أرنولد