عندما تكون الانتهازية والطمع وضعف الرقابة حاضرة، فإننا حتماً بصدد الحديث عن تحد مهم وهو التعدي على الأراضي بوضع اليد عليها أو حيازتها دون وجه حق، هذه التجاوزات الخطرة استنزفت اقتصاد الوطن، وساهمت في شح الأراضي، فعطلت برامج ومشروعات تنموية مهمة، وحرمت الكثير من المواطنين والمواطنات من الحصول على مساكن، وزادت من انتشار الجريمة عبر العشوائيات التي تعد ملاذاً لها مما يستوجب إعادة تأهيلها بمليارات الريالات!.

الأرقام الفلكية للمساحات المستعادة للدولة خلال الأشهر الماضية والتي تطالعنا بها الصحف ووسائل الإعلام يوماً بعد آخر، كشفت ضعف الإمكانات الرقابية لدى البلديات، وسوء تخطيط المدن، وتدني مستوى الوعي لدى بعض المواطنين الذين يقعون فريسة سهلة في شباك المحتالين والنصابين يعزز اندفاعهم توقف المنح، وصعوبة تملك الأراضي لبناء المساكن بعد أن جاوزت أسعارها خلال السنوات الماضية حد التوقعات.

طائلة المسؤولية

وقال م. سعود بن هريسان العنزي - وكيل أمين المدينة المنورة للبلديات -: إن أمانة المنطقة ممثلة في البلديات الفرعية، والضواحي، والمحافظات، والمراكز التابعة تمكنت أخيراً - خلال العام المنصرم، والربع الأول من هذا العام - من استعادة أراضٍ حكومية تم التعدي عليها، ومخططات بلغت مساحتها أكثر من ثلاثين مليون متر مربع، تم الاستيلاء عليها من قبل معتدين بغير وجه حق، أقاموا عليها إحداثات مختلفة، وذلك ضمن جهود الأمانة وبلدياتها المستمرة في الحفاظ على الأراضي الحكومية، مؤكداً على أن المراقبين بالبلديات، وبمشاركة الجهات الأمنية تمكنوا من إزالة مساحات كبيرة كان معتدون قد حاولوا حيازتها من خلال بناء منازل، وأحواش، وزراعة، وإقامة العقوم الترابية، والحظائر، لافتاً إلى أن المساحة التي تم استعادتها، وإزالة التعديات فيها بلغت 30.464.000 متر مربع. 

وأضاف أن هذه الإزالات تأتي إنفاذاً لتوجيهات أمين المنطقة م. محمد بن عبدالهادي العمري والذي يشدد على منع أي تعديات أو إحداثات، ومعالجتها في حينها، لمنع ضعاف النفوس من الاستحواذ على الأراضي بصورة غير نظامية، مشيراً إلى أن الأمانة وبلدياتها تتعامل مع تلك الاعتداءات وأصحابها بحزم وفق الأنظمة والتعليمات، دون تهاون في أداء واجبها بضبط أي مخالفات أو تجاوزات، وستواصل مهامها في الحد من الاعتداء على الأراضي الحكومية، علماً أن الأنظمة الصادرة والتعليمات تنص على أن الأراضي البيضاء تعود ملكيتها للدولة، مُحذراً من مغبة التعديات والتجاوزات والاستحواذ على الأراضي دون وجه حق، والتي تجعل المتجاوز تحت طائلة المسؤولية القانونية والنظامية، مهيباً بالمواطنين والمقيمين التعاون مع الأمانة وتمرير البلاغ لها عبر مركز الطوارئ 940، أو تطبيقات الأجهزة الذكية "Apple store" و"Andreoid" أو عبر الحسابات الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي.

تجاوزات ساهمت في شح الأراضي فعطّلت برامج ومشروعات مهمة.. الوعي مطلوب

لجنة مختصة

وأوضح عيسى السحيمي - رئيس المجلس البلدي بمنطقة المدينة المنورة - أن المجلس يعمل كغيره من القطاعات الحكومية الأخرى وفق لائحة مقيدة، وفي هذا الشأن تحديداً لا يتعدى دوره مراقبة أداء البلديات، مضيفاً أن ظاهرة التعدي على الأراضي الحكومية موضوع لا يقتصر على البلديات وحدها، فهناك أراض مملوكة لبعض الوزارات، والجهات الحكومية، وهي المعنية بمراقبتها والرفع للجهات المختصة حول تلك التعديات لإزالتها، مبيناً أن من أهم أسباب انتشار ظاهرة التعديات هو طلب المسكن في ظل ارتفاع الإيجارات، وهو ما دفع بالمجلس للمساهمة في إيجاد الحلول المناسبة والتي في مقدمتها دراسة المخطط الشامل، وحدود التنمية، إضافةً إلى دراسة وثيقة البناء، وتعدد الأدوار، والتي ستساهم وبشكل كبير في حل المشكلة.

وحول مدى رضا المجلس عن المعالجة التقليدية - الإزالة - قال: هناك لجنة مختصة تتكون من عدد من الجهات، وتصلها التوجيهات الكريمة أولاً بأول، والتي تأخذ بالاعتبار كل ما من شأنه حفظ الصالح العام، والمواطن بشكل خاص، ويأتي من ضمن هذه التعليمات تعميم وزير الداخلية الذي يشدد عند تنفيذ الإزالة على التأكد من وجود بديل للمواطن.

غياب السجل

وأكد م. فاروق إلياس - خبير عقاري - على أن التعديات مستمرة وستستمر مع غياب السجل العقاري في كثير من المدن، واصفاً السجل بأنه مجموعة الوثائق التي تبين بجلاء حدود كل عقار وموقعه وحالته الشرعية، وما له من حقوق وما عليه من التزامات، والتعديلات التي تطرأ عليه تباعاً، وذلك ضمن برنامج إلكتروني دقيق يحد من التجاوزات بل يمنعها تماماً، مبيناً أنه مع تعذر وجود هذا السجل برزت ظاهرة الصكوك المتعددة والعشوائية على أراض بيضاء لم يتم إحياؤها وبملايين الأمتار، ذاكراً أن محافظة جدة على سبيل المثال شهدت خلال الفترة الماضية وبالأخص "بريمان، عسفان.." إنشاء مخططات عشوائية، مضيفاً أنه سبق أن عرضت عليه أرض خام مساحتها مليون متر مربع بقيمة خمسة ريالات لكل متر مربع، ولكنه امتنع لعدم وجود صك شرعي يثبت ملكيتها لمن يريد بيعها، لافتاً إلى أن فتح ملف التعديات يكشف حجم الفساد ويشير بأصابع الاتهام نحو بعض ضعاف النفوس الذين استغلوا عملهم الوظيفي، وتستروا على لصوص الأراضي أو أعانوهم ودلوهم - حسب قوله -.

تطبيق العقوبات

وشدّد م. إلياس على أهمية تطبيق العقوبات الصارمة بحق المتعدين واللصوص والمسوقين وكل من يعينهم، وإعداد قوائم وبيانات بأسمائهم، فالتعدي على المال العام حرمته مضاعفة، لافتاً إلى أن الأنظمة الحالية رادعة إذا نفذت دون تهاون أو تراخ، مشيراً إلى أن التعدي على أملاك الدولة مخالف لنصوص الشريعة الإسلامية، فهو أخذ للمال بالباطل ودون وجه حق وفيه من الأضرار ما لا يعد، ومنها استغلال مدخرات أصحاب الدخول المتدنية وإغراؤهم بالشراء، وتركهم بعد سقوطهم في حبائل الوهم يصارعون حظهم العاثر دون قدرة على استرداد ما دفعوه من أموال كانت حصيلة سنوات طويلة.

ملف الإسكان

وأكد الباحث حسين بن سعد المحمدي على ضرورة معالجة ملف الإسكان للقضاء على مسلسل التعديات، فحجم الطلب المرتفع على المساكن المرتبط بالنمو الإسكاني المضطرد سنوياً يقابله ارتفاع قيمة المعروض مقابل المداخيل المالية المحدودة، ويتماشى ذلك مع بطء البرامج الإسكانية التي تواجه عقبات مهمة إحداها الشح الشديد في الأراضي بسبب التجاوزات التي طالتها خلال العقود الماضية، كل ذلك يجعل من العودة للمربع الأول حلاً لا مناص عنه للمشكلة المتفاقمة، مشيراً إلى أن التمويل المصرفي بات جزءاً من المشكلة وليس حلاً لها، فإغراق الأسر بالديون وتبعاتها التي لا تخفى على أحد تدفع نحو العزوف التام عنها إلاّ إذا تغيرت المعادلة من خلال شروط ميسرة جداً، وبيئة محفزة للجذب والتنافس الاستثماري الذي ينعكس إيجاباً على المعروض السوقي المتوافر، والتفكير بمساكن اقتصادية عبر دفعات معقولة تستثنى فيها المواسم المهمة كشهر رمضان والعيدين، كل ذلك سيحد من التعدي على الأراضي أو الارتماء في أحضان المسوقين الوهميين، وبالتالي دوامة لا تنتهي يجني خسائرها الوطن.

يعمد المتعدون إلى سرعة تسوير الأراضي لضمان حيازتهم لها
المجالس البلدية سعت لاستصدار أنظمة تساهم في معالجة ملف الإسكان
م. سعود العنزي
م. فاروق إلياس
عيسى السحيمي
حسين المحمدي