وجود كتاب لمشهور مثل "أبو جفين" في معرض الرياض لا يعد مشكلة في حد ذاته، فالمشاهير حتى وإن كانوا لا يقدمون طرحاً ذا قيمة، إلا أنهم ومن حيث المبدأ يمتلكون الحق في أن يعبروا عن أنفسهم وأن يعلنوا عن حضورهم عبر أي وسيلة وفي أي مناسبة. كما أن "التفاهة" نسبية ويختلف تقديرها من شخص لآخر ولا يمكن منع كتاب في المعرض لمجرد أن مؤلفه "تافه".

لكن –مع ذلك- فإن الحملة الشعبية في تويتر ضد كتاب "أبو جفين" مُبررة وتمتلك وجاهتها باعتبار معرض الرياض الدولي للكتاب واجهة ثقافية للبلد، يفترض أن يكون له معايير صارمة لإجازة الكتب ومنحها الضوء والشهرة والتسويق، ويفترض أن لا يحتفي إلا بمن يستحق الاحتفاء فعلاً من المفكرين والمثقفين والأدباء. لذا فإن أغلب المعترضين ينطلقون من مخاوف انجراف المعرض وراء بريق "المشاهير" بشكل يجعله يتجاهل "القيمة" التي هو معنيُّ بالمحافظة عليها.

من يدري فقد يفاجئنا "أبو جفين" بكتاب جيّد؟، وقد يكون لديه ما يقوله بعيداً عن الصورة النمطية المأخوذة عنه من فيديوهاته؟. لكن هذا لا يلغي مخاوف المثقفين من استشراء "تفاهة" المشاهير في ميدان الثقافة، خاصة أن معارض أخرى في بعض دول الخليج سمحت بنشر كتب رخيصة وتافهة إلى حد غير مقبول. وهو ما يفسر هذه "الغضبة المضرية" تجاه المعرض، فالمثقفون لا يعترضون على "أبو جفين" بذاته بل على حالة الاحتفاء بالمشاهير بشكل عام، ويخشون من شيوعها إلى الحد الذي قد يؤدي إلى ظلم المثقف الحقيقي وسرقة المنصة الوحيدة التي يُطلّ منها على الجمهور.

الاحتفاء بالمشاهير الذين لم يقدموا شيئاً ذا قيمة، وليس لهم منجز من أي نوع، يمثل خطراً على "القيمة"، ونقصد بالقيمة المعيار أو الأساس الذي ترتكز عليه ثقافة المجتمع ووعيه، فعندما يتم تكريم المشهور "التافه" الذي لا يقرأ ولا يمتلك وعياً ولا ثقافة، فهذا يعني بالضرورة خفض ذائقة ووعي المجتمع والهبوط بالقيمة الثقافية إلى مستوى متدنٍ يواكب وعي هذا المشهور. في السابق عندما كانت المنابر محدودة ومحصورة في التلفزيون الرسمي والصحف، كان ظهور الشخصيات العامة يمر عبر "فلاتر" متعددة ولا يخرج للناس إلا من لديه شيء فعلاً. أما اليوم، ومع تشظي التقنية، وتكاثر المشاهير، أصبح واجباً على المنصّات الرسمية أن تمارس نوعاً من التحكم لكي تحد من طوفان "التفاهة" وتحافظ على الجودة والقيمة والمعنى.

قضية كتاب "جفين" سبق أن حذر منها الفنان ناصر القصبي في مسلسل "سيلفي" قبل نحو عامين، عندما قدم حلقة عن معرض الكتاب وظهر فيها المثقف الحقيقي مثيراً للشفقة أمام الحضور الطاغي لأحد مشاهير التواصل الاجتماعي. مثل هذا التحذير هو الذي يريد إيصاله المعترضون على كتب المشاهير، هم لا يريدون سلب حق المشاهير في التعبير عن أنفسهم، بل يريدون وضع معايير لا تسمح بوصول التافهين منهم إلى منصة راقية ومؤثرة مثل منصة معرض الرياض الدولي للكتاب.