عندما أعلنت جودي فوستر اسم الفائز بأوسكار أفضل ممثل عام 1993، صعد النجم آل باتشينو منصة مسرح دوروثي تشاندلر ليستلم أوسكاره الأول والأخير عن فيلم "عطر امرأة"، ولفت الأنظار حينها بشكله المختلف وبلحيته السوداء التي غطت نصف وجهه. في تلك الليلة الأوسكارية التي وافقت 29 مارس 1993 كان باتشينو قد أنهى أول أسبوع له في تصوير فيلم الجريمة الجديد "طريق كارليتو-Carlito's Way" مع المخرج الكبير برايان دي بالما، وكان الشكل الذي ظهر به في الحفل هو شكل الشخصية التي سيظهر بها في هذا الفيلم الذي سيصبح لاحقاً أحد أهم أفلامه على الإطلاق.

يؤدي آل باتشينو في فيلم "طريق كارليتو" شخصية مجرم تائب خرج لتوه من السجن وكل ما يطمح له هو جمع مبلغ بسيط من المال ليتمكن من السفر إلى إحدى الجزر ويبدأ حياة جديدة هناك برفقة حبيبته القديمة. هدف بسيط وغاية سهلة تبدو في متناول اليد، لكن مُخرجاً مثل برايان دي بالما لن يترك بطل فيلمه دون تعقيدات يضفيها على حياته، يدخل بسببها في صراعاتٍ دراميةٍ تتفجر معها مشاعره وأشواقه. ليصبح الفيلم، بهذا الأسلوب، وسيلة لسبر أغوار الشخصية واستكشاف آمالها وآلامها.

برايان دي بالما أحد أهم المخرجين الأميركيين في الربع الأخير من القرن العشرين، وينتمي لصنّاع السينما الذين منحوا هوليود مذاقاً سينمائياً جديداً مطلع السبعينات، مثله مثل كوبولا وسكورسيزي ولوكاس. وقدم منذ العام 1968 سلسلة من الأفلام التي تتنوع في قصصها وأجوائها لكنها تشترك في أسلوب واحد أصبح سمة ثابتة لسينما دي بالما. فمن الرعب في فيلمه الشهير Carrie عام 1976، إلى الجريمة في فيلميه الكبيرين Scarface عام 1983 وَThe Untouchables عام 1987، والغموض في فيلمه Blow Out عام 1981، والجاسوسية التي قدمها في أول أجزاء سلسلة "المهمة المستحيلة" عام 1996، جميعها حملت سمة واحدة هي الإثارة مهما كان نوع القصة التي تتناولها.

الإثارة في "طريق كارليتو" تبدّت في المأزق الذي يعيشه البطل، المجرم التائب كارليتو بريغانتي، صاحب التاريخ الحافل في عالم الجريمة والذي لا يريد سوى الهرب بعيداً برفقة حبيبته، لكنه يصطدم بماضيه الأسود الذي يلاحقه في كل زاوية من زوايا حياته الجديدة، كما يصطدم بمؤامرات لا تنتهي يرسمها المقربون منه، أما حبيبته الحزينة التي تركها قبل سنوات فهو يقف حائراً أمامها لا يدري كيف يعود لها ولا كيف يقنعها بحلمه الجديد وهو الذي خذلها كثيراً في السابق.

بهذه العلاقات المتشابكة، والصراعات المركّبة، وبسيناريو مأخوذ من روايتين للكاتب إدوين توريس، يصنع دي بالما فيلماً رائعاً هو مزيج فريد بين الجريمة والرومانسية، وبأداءات مميزة من طاقم تمثيلي يقوده آل باتشينو بدور المجرم كارليتو، وشون بين بدور المحامي الفاسد كلاينفيلد، وبينولوب آن ميللر التي قدمت أفضل أدوارها على الإطلاق بشخصية الشابة "غيل" التي تُغالب مشاعرها تجاه حبيبها القديم؛ المجرم "كارليتو" الذي عانت بسببه في السابق، والذي يبدو صادقاً في توبته هذه المرة.

رشّح الفيلم لجائزتي غولدن غلوب في التمثيل كانتا من نصيب شون بين وبينولوب آن ميللر. ومع أن رصيده من الجوائز شحيح إلا أنه يعد واحداً من أهم أفلام التسعينات ومن أفضل أفلام الجريمة، وهو ثاني لقاء يجمع آل باتشينو مع المخرج دي بالما بعد لقائهما الأول عام 1983 في فيلم الجريمة الرائع أيضاً "سكارفيس".