ينادي الحاجب بصوت عال :محكمة، يدخل القاضي ومعه بعض المستشارين، يتوقف للحظات ثم يعاود المسير إلى أن يأخذ مكانه بالقاعة، لحظات صمت مريبة، يحتوي الحاضرين بنظراته، يعبث ببعض الأوراق أمامه، يهمس لكاتب الضبط، فينادى بالقضية رقم سبعة، تدخل امرأة تدفع عربة عليها زوجها المسن تقترب من القاضي، يرفع الرجل يده وهو مقعد على الكرسي ليؤكد حضوره وأنه صاحب القضية رقم سبعة، يقوم الادعاء بجملة من التوصيات والتبريرات والعقوبات التي لا بد لها من أن تطبق بحق الجاني وأنه لا بد للعدالة من أن تأخذ مجراها ضد المجرمين والمعتدين على الناس الآمنين، يقاطعه محام بائس باع ضميره بمال رخيص لقاء الترافع عن قضايا غير عادلة.. يؤكد عليه القاضي: أنت صاحب القضية، يرد الرجل المسن بنعم بعد أن تجتاحه نوبة بكاء طويلة تؤثر على جمع الحاضرين، يحثه القاضي على التوقف عن البكاء والحديث عن قضيته، يقاطعه المحامي لا توجد قضية يا شيخ فقضية موكلي مضى عليها زمن طويل حتى كادت أن تسجل لدى مراكز الشرط والدوائر المختصة ضد مجهول وهي في الحقيقة قضية ضد مجهول لأنه إلى هذه اللحظة لم يثبت شيء على موكلي وأني أطلب من عدالة المحكمة تبرئة ساحة موكلي وحفظ القضية ضد مجهول.

ينهض الرجل المسن صاحب القضية من على كرسيه وتنهض معه كل سنين العمر المنفرطة وكل سنين الحزن والقهر والعجز التي أمضاها في أروقة المحاكم وهو يلاحق معاملة مشؤومة عمرها سنوات طويلة من اللهاث بين أروقة الدوائر وردهاتها الضيقة، وملامحها قصاصات ورقية تحمل أرقاماً وتواريخ هلامية، يتحشرج صوته: كنت يا شيخ في يوم من الأيام واقفاً أمام بيتي بينما ابني صالح البالغ من العمر عشر سنوات يتهيأ لمرافقتي لعيادة الطبيب وفجأة داهمنا (مفحط) طائش وبلمح البصر دهس ولدي صالح وهرب، أسرعت إليه احتضنته بينما كانت الدماء تسيل من كل أنحاء جسده ضممته إلى صدري حاولت أن أكلمه يا صالح يا صالح لكنه لفظ أنفاسه، صالح هو وحيدي في هذه الدنيا، عندها لم أتحمل فراق صالح فأصبت بشلل نصفي جعلني مقعدا على كرسي متحرك كما ترى، يتوقف للحظات ويواصل حديثه في كل ليلة أسمع (فحيط) كفرات هذا القاتل يصول ويجول في حيّنا وأحياء أخرى حراً طليقاً، أنا هنا لا أشكو هذا (المفحط) أنا أشكو المدرسة التي تسرب منها والأسرة نشأ فيها، أشكو التسامح الذي أعطاه هذا التمادي والفوضى التي غضت الطرف عن هذا القاتل لسنين طويلة، يتعاطف الحاضرون معه، القاضي يهدئ الوضع: يؤجل النطق بالحكم بالقضية رقم سبعة وترفع الجلسة.