الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، أما بعد:

فمما يحمد لمقام إمارة منطقة المدينة المنورة ما صدر عن سمو أميرها يوم 18 / 6 / 1439هـ من التوجيه العاجل للجهات ذات العلاقة بالتحقيق حول مابثته إحدى القنوات الفضائية عن إقامة عرض أزياء - على حد وصفها -، وتحديد المخالفات إن وجدت ومحاسبة المتسببين وفق الأنظمة والتعليمات. انتهى.

وهذا التوجيه طابت به أنفس الناس عموماً، وساكنو المدينة خصوصاً، لعظيم محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومدينته وجواره الشريف، مستنكرين ما تم الترويج له، فهو مما يتنافى مع حرمة المدينة النبوية وقدسيتها التي أكدتها النصوص من القرآن والسنة.

وتوجيه إمارة المدينة مبنيٌّ على أصل عظيم من الوحيين القرآن في رعاية حرمة المدينة وخصوصيتها، والعناية بأدب الجوار في مدينة سيد الأبرار صلى الله عليه سلم؛ حتى لا يجترأ أحدٌ على انتهاك هذه الحرمة، وحتى يتقرر لدى كل من حلَّ بهذه المدينة الكريمة ما لها من الفضل والخصوصية.

فقد جاء في القرآن التنويه بفضل المدينة وأنها بقعة شريفة، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) [النحل/41] فالدار الحسنة الموعود بها هنا هي دار الهجرة المدينة النبوية وعاصمة النور المباركة. كما رجحه ابن جرير ونبه إليه ابن عطية وابن كثير وغيرهم من المفسرين.

وجاء الوعيد لمن انتهك حرمة المدينة النبوية بنفيهم عنها، قال الله تعالى: (لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً) [الأحزاب: 60] قال الشيخ السعدي في تفسيره: لم يذكر ما الذي ينتهون عنه، ليعمَّ ذلك كلَّ ما توحي به أنفسُهم إليهم وتوسوس به وتدعو إليه من الشر.

وفي السُّنة المشرَّفة: توالت التأكيدات النبوية على حرمة المدينة والوعيد لمن انتهك حرمتها. ومن ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم قال: "المدينة حَرَمٌ ، فمن أحدث فيها حَدَثاً، أو آوَى محدِثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة عدلٌ ولا صرف". هذا لفظ مسلم وجاء من طرق أخرى في الصحيحين وغيرهما.

قال العلامة ابن بطال الأندلسي رحمه الله: في هذا الحديث فضلٌ عظيم للمدينة، وهو نصٌّ في تحذير فعل شيء من المنكر في المدينة، وإنما خصت المدينة بالذكر في هذا الحديث؛ لأن اللعنة على من أحدث فيها حدثاً أشدُّ والوعيد له آكد؛ لانتهاكه ما حُذِّر عنه، وإقدامه على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يلزمه من تعظيم شأن المدينة التي شرفها الله بأنها مَنْزِلُ وَحيِه وموطن نبيه صلى الله عليه وسلم، ومنها انتشر الدين في أقطار الأرض. انتهى ملخصاً.

وقال العلامة الشاطبي: هذا الحديث في سياق العموم، فيشمل كل حدث أُحدث فيها مما ينافي الشرع.

وقال العلامة السمهودي: يستفاد من الحديث أن الصغيرة بها كالكبيرة بغيرها تعظيما للحضرة النبوية.

فهذا إجمالٌ لأدب الجوار للنبي المختار صلى الله عليه وسلم، وهي مفصلة في موضع آخر.

المستشار الشرعي والباحث في السنة والسيرة النبوية*