تركن الكثير من القيادات العظمى في العالم إلى السياسة المتزنة للمملكة العربية السعودية في إدارة الكثير من الملفات المهمة سياسياً واقتصادياً بالمنطقة، وتعمد إلى توثيق دائرة الشراكة معها إما بتوحيد وجهات النظر تجاه قضايا الشرق الأوسط الملتهبة، أو فتح آفاق الشركات الاقتصادية والفرص الاستثمارية كإحدى أهم دول مجموعة العشرين، ومن تلك الدول المملكة المتحدة التي تمثل الجانب الآخر لامتداد السياسة السعودية خارجياً تجاه القضايا الإقليمية والدولية، للاتفاق الكبير في هذه التوجهات التي ترتكز على علاقات وثيقة سياسياً واقتصادياً.

لم تكن "لندن" إحدى محطات سمو ولي العهد إلا للشراكة العميقة التي تربط المملكتين، وقد تطرّق عددٌ من المسؤولين البريطانيين إلى الزيارة نظراً لأهميتها في تبادل الآراء والتشاور وبحث مستجدات الساحتين الإقليمية والدولية، ويقول وزير شؤون الشرق الأوسط أليستر بيرت بحسب الخارجية البريطانية في موقعها على تويتر "زيارة ولي عهد السعودية فرصة لنبحث وبشكل بنّاء مع شركائنا السعوديين قضايا تتراوح ما بين الصراع في اليمن وما يمكن أن تقدمه المملكة المتحدة من مساعدة في برنامج 2030م للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي"، كما قالت الخارجية البريطانية في تغريدة "زيارة الأمير محمد بن سلمان إيذان ببدء حقبة جديدة من العلاقات الثنائية التي تركز على شراكة تحقق فوائد واسعة لكل من بريطانيا والسعودية، كما تعزز التعاون فيما بيننا لمواجهة تحديات الإرهاب والتطرف والأزمة الإنسانية في اليمن وقضايا المنطقة مثل العراق وسورية".

ويرى محللون سياسيون أن المملكة وبريطانيا تجمعهما علاقة تاريخية وثيقة بُنيت على الاحترام المتبادل للمواقف ووجهات النظر في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، والمصالح الاقتصادية المشتركة التي تعزز اقتصاد البلدين وتفتح آفاقاً استثماريةً جديدةً فيما بينهما.

حول ذلك قال المحلل والباحث السياسي فهد ديباجي إن الزيارات الخارجية المتوقعة عموماً تأتي ضمن دور المملكة في الأمن والاقتصاد العالمي وهي فرصة لتعزيز العلاقات الدولية ومستقبل المنطقة ولتحقيق رؤية المملكة 2030، كذلك هي مهمة جداً لمواجهة الخطر والتصرفات الإيرانية المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة سواء من خلال استمرار إرسال الأسلحة للميليشيات الحوثية أو فيما يتعلق بالاتفاق النووي ولا شك أن الزيارة لن تكون خالية من بحث الشأن الملف السوري والوضع الليبي وفلسطين ونقل السفارة إلى القدس والأزمة القطرية، فالسعودية طالما لها أهميتها بالنسبة إلى الأمن العالمي، وقد كانت ومازالت حليفاً يُعتمد عليه لكل الدول الكبرى في كل الأزمات وفي خضم التقلبات في الشرق الأوسط، كانت المملكة بشكل عام عامل استقرار واعتدال.

وتابع بقوله لاشك أن العلاقة التاريخية بين المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة لا يمكن نكرانها أو التنكر لها فهي انطلقت منذ عهد مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ودشنت هذه العلاقة حين التقى -رحمه الله- رئيس وزراء بريطانيا آنذاك ونستون تشرشل في مصر واستمرت إلى عهدنا الحاضر، وهذه الزيارة تجد ترحيباً غير مسبوق من الطبقة السياسية في بريطانيا، كما أن التغييرات التي قام بها سمو الأمير الشاب الطموح محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود هي كبيرة وفي فترة زمنية قصيرة جداً وكذلك في ظروف استثنائية صعبة للغاية ولكنه استطاع أن يقوم بهذه التغييرات الحساسة والمهمة والتي من شانها أن تبرز دور المملكة في الكثير من المواقع الإقليمية والدولية وتقوي الداخل السعودي وتدعم رؤية 2030 السعودية، إذاً فالمملكة العربية السعودية لديها رؤية وتطلعات اقتصادية وصناعية وغيرها والمملكة المتحدة أيضاً لديها تطلعاتها الخاصة خصوصاً وأنها في مراحلها النهائية من توديع الاتحاد الأوروبي بالخروج، إذاً الدولتان بحاجة ماسة لمزيد من التفاهم حول الكثير من القضايا والمصالح المشتركة وهذا الأمر يتطلب لقاءات ومشاورات وتفاهمات بين الطرفين كما فعلنا سابقا.

وأضاف لهذا نجد تطابقاً في سياسيات الدولتين الخارجية حالياً وتؤيد الإصلاحات المتسارعة التي بها داخلياً، فهم يدعمون موقف المملكة في اليمن ويرفضون التدخلات الإيرانية المزعزعة لأمن المملكة يؤكد ذلك تقدمها بمشروع في مجلس لإدانة إيران ولولا الفيتو الروسي لكان صدر القرار، كذلك يوجد تطابق في ملف القضية الفلسطينية حيث ترفض نقل السفارة الإسرائيلية إلى القدس، وتؤيد المبادرة التي تقدمت بها المملكة بشأن حل النزاع في فلسطين، كذلك نجد تطابقاً في مسألة وحدة العراق وسورية وفي فقدان بشار الأسد للشرعية وفي مسألة الحرب على الإرهاب والجماعات (الراديكالية) المتطرفة أمثال داعش والقاعدة وجبهة النصرة وأن السعودية تمثل الإسلام المعتدل المنفتح على العالم والأديان، وهم يَرَوْن أن مستقبل السعودية والمنطقة والعالم الإسلامي عموماً يعتمد على نجاح الأمير محمد بن سلمان في مهمته، أما فيما يتعلق بالنتائج المرجوة فهي من المؤكد ستزيد من التبادل التجاري بين البلدين الذي يقدر بأكثر من ستة مليارات جنيه سنوياً وفي تقديم الدعم والعون لتحقيق رؤية المملكة 2030 وفي زيادة في كمية التبادل الاقتصادي العسكري والاستخباراتي والمعلوماتي لمكافحة الإرهاب وفي تبادل وجهات النظر في شأن الملف النووي وفي المطالَب من دولة قطر لتحقيق الأمن والاستقرار للبلدين.

بدوره قال المحلل السياسي عمر الرداد تكتسب الزيارة الأولى التي يقوم بها ولي العهد السعودي إلى بريطانيا في السابع من مارس الجاري، واللقاءات التي سيجريها هناك مع رئيسة وزراء بريطانيا والحكومة البريطانية أهمية خاصة، في ظل العلاقة التاريخية بين السعودية وبريطانيا، في مجالات الأمن والدفاع إضافة للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين، ومن الواضح وفقاً للتصريحات البريطانية التي تسبق الزيارة، وحجم الاستعدادات لها حجم التغييرات التي تشهدها المملكة السعودية، وخاصة القرارات المتعلقة صدرت بالسماح للنساء بقيادة السيارات، اعتباراً من يونيو (حزيران) من العام الحالي، واستهداف أن تمثل المرأة السعودية ثلث نسبة القوى العاملة في المملكة بحلول 2030، والتوجه نحو تطوير قطاعات مثل الرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية والترفيه والسياحة وهذه جميعها قطاعات تعتبر المملكة المتحدة رائدة عالمياً فيها إضافة لتبادل معلومات استخبارية، حيث أعلنت الحكومة البريطانية أن تبادل تلك المعلومات أسهم في إنقاذ حياة مواطنين بريطانيين، كما تدرك الحكومة البريطانية خريطة الطريق المتمثلة بـ«رؤية 2030»، لتحفيز اقتصاد المملكة، وتحويلها إلى مركز عالمي للاستثمار، والأفق التي ستوفرها بفرص للشركات البريطانية للمساعدة في مجالات كالتعليم والترفيه والرعاية الصحية، علماً بأن بريطانيا ثاني أكبر مستثمر في السعودية بعد الولايات المتحدة، وهناك نحو 300 مشروع بريطاني - سعودي مشترك، فيما تبلغ القيمة الإجمالية للاستثمارات نحو 17.5 مليار دولار، كما تكتسب الزيارة أهمية نوعية في بحث المسائل الإقليمية التي تهم الجانبين، وخاصة مناطق الصراعات والحروب، ومن المؤكد أن قضية الحرب في اليمن ستأخذ مساحةً واسعةً في حوارات ولي العهد، لنقل الرؤية السعودية إلى الجانب البريطاني، والمرتبطة بتطلعات السعودية والمجتمع الدولي للحيلولة دون وقوع اليمن فريسة للأطماع الإيرانية وأن الحوثيين يشكلون أداة وذراعاً لإيران لتنفيذ مخططاتها في المنطقة، بما في ذلك دعمهم بصواريخ بالستية تم إطلاقها على المملكة، وأن السعودية تدرك المطالب الدولية بضرورة أن لا يؤثر الحصار على تهريب الأسلحة الإيرانية للحوثيين على الشعب اليمني وهو ما تتابعه السعودية وتعمل على تأمين وصول المساعدات الإنسانية، رغم سرقتها والتلاعب بها من قبل الحوثيين.

وأوضح أنه بالإضافة لقضية اليمن فإن الزيارة تشكل فرصة للسعودية لتوضيح موقفها تجاه قضيتي سورية والعراق، حيث ستؤكد المملكة على موقفها بالالتزام بالحل السياسي في سورية، وأن يترك للشعب السوري ممارسة خياراته دون ضغوط دولية وإقليمية، وبما يضمن خروج إيران من سورية، وان السعودية تسهم مع المجتمع الدولي في تحقيق ذلك من خلال علاقاتها مع أطراف المعارضة السورية، وبالنسبة للعراق خطت السعودية خطوات في تطوير علاقاتها مع العراق، وأسهمت في إنقاذ العراق من داعش، وتمارس دوراً ملحوظاً في استعادة العراق لدوره من خلال علاقاتها الاقتصادية وفتح خطوط تواصل مع مكونات الشعب العراقي، رغم المحاولات الإيرانية لعرقلة الجهود السعودية بصياغة صراعاتها في المنطقة على أسس مذهبية