تشكّلت الصورة النمطية عن المملكة منذ عقود بأنها بلد متشدد دينياً، وبرميل نفط للإنفاق بلا كفاءة، ورغم الاتفاق أو الاختلاف حول تلك الصورة التي روّج لها الغرب تحديداً، إلاّ أن تلك الصورة كانت بحاجة إلى تغيير من الداخل أكثر من الخارج، وإرادة سياسية تأخذ المجتمع إلى واقع جديد، وعلاقات دولية قائمة على المصالح وبناء التحالفات.

وبالفعل كانت الإستراتيجية السعودية منذ أن تولى الملك سلمان مقاليد الحكم هو المضي في مشروع اقتصادي وثقافي يزيح تلك الصورة من الذهنية الغربية أو من يستغلها إعلامياً وسياسياً في تأزيم العلاقات السعودية، حيث كان التحول سريعاً إلى منهج الاعتدال الذي قلّل من التشدد الديني من 60 % إلى 10 % -بحسب حديث ولي العهد للإعلام المصري-، إلى جانب الدخول في مشروعات استثمارية تعزز النمو والناتج المحلي بدلاً من تقديم إعانات أو هبات، وكل ذلك وفق رؤية طموحة وفريدة للدولة ومؤسساتها العميقة، وليست اجتهادات أو توقعات غير محسوبة.

الأمير محمد بن سلمان في خطابه وتوجهاته يمضي إلى مشروع تحسين الصورة النمطية عن المملكة، حيث توجه سابقاً إلى عواصم عالمية للتأكيد على سياسة المملكة الجديدة القائمة على الانفتاح والاستثمار، ويواصل رحلته الحالية لمصر وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية؛ لتسويق المشروع السعودي الجديد خارجياً بتوقيع اتفاقيات، وجذب استثمارات، وتقريب الفعل الحضاري والثقافي بين شعب المملكة وشعوب العالم.

قدر الأمير الشاب الطموح أن يواجه تحديات كبيرة على الصعيد الخارجي بعد أن اطمأن على مشروع التغيير في الداخل، وهذه المهمة ليست مرتبطة فقط بتغيير توجهات الدول والحكومات، بل أيضاً الشعوب التي ترى في السعودية الجديدة فرصة للحضور والمشاركة والتواصل الحضاري معها؛ لذا هو يسابق الزمن ليضع المملكة على طريق التغيير الذي ينتهي إلى مشروع التطوير للأرض والإنسان، ويسجل حضور دولته على مستوى التأثير، ويرسم علاقاتها على أساس من المصالح التي تضيف إلى المحتوى المحلي أرقاماً وتوطيناً وإنتاجاً.

زيارة ولي العهد إلى مصر مثلاً كان الجانب الاقتصادي والثقافي طاغياً على المباحثات الرسمية بين البلدين، وهو ما يحتاجانه في هذا التوقيت للنهوض معاً، ورأينا كيف كانت الاتفاقيات والمشروعات والزيارات الميدانية شاهدة على الشراكات والاستثمارات، هذا في الجانب الاقتصادي، وفي المقابل زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى مشيخة الأزهر ولقاء البابا تواضروس الثاني؛ إشارة مهمة إلى الانفتاح السعودي على الأديان والحضارات، وتعزيز قيم التسامح، ونبذ خطاب العنف والكراهية، وهو تأكيد على المشروع الثقافي السعودي الذي يسير جنباً إلى جنب مع المشروع الاقتصادي.

الأمير محمد بن سلمان في رحلته الحالية يسوّق الصورة الجديدة عن السعودية بعيداً عن التشدد الديني، أو برميل النفط المستهَلك، ويتحدث للعالم عن صورة السعودية المعتدلة المنفتحة والمستثمرة في شراكات التحصيل مستقبلاً.