لا تُحصَى رياح التغيير التي يبشر بها المستقبل، ولعل أهم التغييرات ستطال العملات النقدية ومفهوم النقد في العالم، إذ ترشح الدراسات توجه المجتمعات للتخلي عن النقد وترتفع الأصوات المحذرة من قرب اختفاء السيولة النقدية أو (الكاش) من عالمنا. حيث تؤكد الحقائق أن مجتمعات معينة كالدول الاسكندنافية قد تعودت الاعتماد على بطاقات الصرف والائتمان في تعاملاتها التجارية ونسيت أمر النقد تماماً، وأن هناك أفراداً قد مضى زمن على آخر مرة تداولوا فيها عملة نقدية. وفي مقابل ذلك تنبثق تيارات معارضة لاجتياح البطاقات البلاستيكية، حيث تنشأ بعض المقاهي والمطاعم التي لاتقبل بديلاً عن الكاش، ويبرر أنصارها أنهم في حملة ضد البطاقات التي تمثل استغلال البنوك التي تشجع هيمنة البطاقات لكونها تربح مقابل كل عملية شرائية تتم سواء بوساطة بطاقات الصرف أو البطاقات الائتمانية. لكن من المرجح أن تنتصر بالنهاية الأرقام، أو البطاقات، حيث ستتحول الثروات للتجريد، فلن يعود بوسع العميل أن يقبض بين يديه الرزم النقدية أو ينثرها حوله ببذخ، ولا إثبات على ثروته غير الأرقام المجردة في حسابه البنكي. بل وستتحول العملات لعملة وحيدة على سبيل المثال عملة التعاملات التجارية على الانترنت أو البتكوين bitcoin، وهي عملة اخترعها عام 2008 شخص مجهول يحمل اسم Satoshi Nakamoto ولاتزال لا تُعرَف هويته ذكراً كان أم أنثى و تتضخم ثروته لتبلغ 5.8 بلايين، وقد نجحت عملته المخترعة المتهربة من الأنظمة الراصدة في اجتياح الحواجز الدولية ويتبناها تدريجياً جمهور لابأس به من أنحاء العالم وخصوصاً الصين، والبتكوين كما يعرف الكثيرون ماهي إلا عملة مجردة أو افتراضية أو شفرة virtual code ، يتم إنشاؤها إلكترونياً، فلا تتم طباعة البتكوين مثل بقية العملات المعروفة في عالمنا القديم كالدولار أو الجنيه وإنما تنتجها أجهزة الكمبيوتر في جميع أنحاء العالم، وذلك باستخدام البرمجيات الحرة.، بحيث يتملك الشخص رمز بيتكوين، وهو عبارة عن مقتطف من الشفرة يمثل ملكية مفهوم رقمي تتم به التداولات على شبكة الانترنت، حيث يتم ذلك ضمن شبكة أو نظام محمي يتيح إمكانية إرسال الدفعات بين المستخدمين دون المرور عبر سلطة مركزية، مثل المصرف أو بوابات الدفع التقليدية، حيث تنمي هذه العملة الحرة جماعة من المشفرين المتطوعين. عالم غريب وشاذ عن المألوف، وليس من المستبعد أن ينجح في أن يصير مألوفاً بل والوسيلة الوحيدة للتبادلات التجارية المستقبلية في عالم بلغ الآن ذروة التحكم في التعاملات وكشف الحسابات البنكية والتبادلات، قبضة شبه حديدية على الثروات لابد وأن تحرض ردود أفعال بنفس الحدة وليس أفدحها تطرفاً هذه العملة الثورية البتكوين، عملة افتراضية أم ثروات رقمية افتراضية ماهي إلا بدايات حثيثة للوصول لعالم مجرد واتجاه النقد خاصة للتجريد.